حين أعلن الرئيس نبيه بري مؤخراً أن "القانون لا يُمسّ" في معرض رفضه أي تعديل يخصّ انتخاب المغتربين، بدا كمن يضع نفسه في موقع الحارس الأمين للنصوص الدستورية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل سيطبّق بري المبدأ نفسه على الميغاسنتر، أم أن “قدسية القانون” تنتهي عندما يهدّد الإصلاح بنية النفوذ السياسي القائم؟
فكرة الميغاسنتر ليست جديدة، وقد نصّ عليها قانون الانتخاب لعام 2017 بوضوح. الغاية منها تسهيل اقتراع المواطنين من أماكن سكنهم، تخفيفاً للهدر والضغط، وتشجيعاً للمشاركة الشعبية.
لكن منذ طرحها، وُوجهت برفض ضمني من قوى الممانعة المتحكمة في السلطة، وفي مقدّمها الرئيس بري، بذريعة "عدم الجهوزية الإدارية والمالية". في الواقع، الرفض سياسيّ قبل أن يكون تقنياً، لأن الميغاسنتر يُفكّك منظومة السيطرة المناطقية التي شكّلت العمود الفقري لقوة الثنائي الشيعي، كما لغيره من الأحزاب والزعامات التقليدية التي تعيش على الولاءات الجغرافية.
حين يعلن بري أن "القانون لا يُمسّ"، لا يفعل ذلك دفاعاً عن النص، بل عن التوازن الذي يخدمه النص. ففي ملف المغتربين، يتمسّك بثبات القانون لأنه يضمن توزيع المقاعد وفق المعادلة الحالية التي تحفظ مواقع الثنائي الشيعي والقوى الممانعة الرديفة له.
لكن في ملف الميغاسنتر، قد لا يجد حرجاً في الالتفاف على القانون، عبر التأجيل أو التعطيل، لأن تطبيقه يعني تقويض قدرة تلك القوى على ضبط الكتلة الناخبة في مناطقها.
إنها الازدواجية ذاتها التي تحكم الأداء السياسي في لبنان: القانون “مقدّس” عندما يحمي المصالح الخاصة للممانعة، و”قابل للتأويل” عندما يهدّدها.
الحديث عن “التحضير اللوجستي” أو “الكلفة المرتفعة” ليس سوى واجهة لرفض سياسي عميق. فالخوف الحقيقي يكمن في أن الميغاسنتر يُخرج المواطن من عباءة الراقبة والوصاية، ويحوّل الاقتراع إلى فعل حرّ بعيد عن أعين مراقبي الأحزاب ومفاتيحها الانتخابية.
وبين ناخبٍ حرّ وناخبٍ تابع، لا يملك الثنائي الشيعي سوى خيارٍ واحد: إبقاء الأمور كما هي، تحت عنوان “احترام القانون”.
لو أراد بري فعلاً تطبيق مبدأ "القانون لا يُمسّ"، لكان أول المدافعين عن تنفيذ البنود الإصلاحية التي نصّ عليها القانون نفسه، ومنها الميغاسنتر. لكن ما يجري هو العكس تماماً: ما يُطبّق هو ما يخدم سلطة الممانعة، وما يُهمَل هو ما يحرّر الناس منها.
وهكذا، يبقى لبنان رهينة نظام يجتر نفسه ويرفع شعار “الشرعية” ليحمي اللاشرعية، ويستعمل القانون كدرع ضد أي محاولة للتغيير.