المواطنة ممنوعة حتى إشعار آخر، والدولة ليست أكثر من "خزمتشي" يلبّي المطالب ويمسح الأضرار بمعزل عن المتسبّب بها. هذا ما يغرسه "حزب اللّه" في عقول أبناء بيئته وغريزتهم.
فالدولة عدوّة "الحزب" الأولى، وعداوتها تسبق بحدّتها العداوة لإسرائيل التي يمكن اعتبارها حاجة مستمرّة للمتاجرة بنغمة "المقاومة" واستباحة الدستور والقوانين.
لذا، الدولة يجب أن تبقى مقصّرة، ولا يهم مشاركة "الحزب" ومعه "حركة أمل" في حصة وازنة في مراكز القرار، وفي الإدارات والمؤسّسات من قاعدة الهرم إلى رأسه. ومع هذا، لا لوم على "الثنائي" في معاناة البيئة المتضرّرة، وبالطبع، مع إغفال أن الضرر يصيب لبنان برمّته وليس فقط شيعة "الثنائي".
وعلى الدولة أن تعطي فقط، ممنوع أن تأخذ، فإذا تمّ إرساء قاعدة الأخذ والعطاء، حينها تتحقق المواطنة ويستوي ميزان الحقوق والواجبات، ويذوب مفهوم الرعوية القائمة على الانتساب للطائفة والمذهب وليس للوطن، ويتكرّس مبدأ الثواب والعقاب وينتفي اجتهاد "كلّ المسؤولين لصوص، بالتالي سرقة الدولة حلال". حينها تزول الامتيازات والبناء العشوائي غير الشرعي لتكوين أحزمة بؤس وظيفتها أن تتحوّل قنابل موقوتة في خدمة مشروع "الحزب" ومشغله.
وهذا ما يبيّنه التحريض على قرارات رسميّة بديهية لإعادة الإعمار تستوجب بكلّ بساطة الحصول على ترخيص، فيصوّرها الممانعون الأشاوس وكأنها "تستهدف الناس استهدافًا مباشرًا وتعاقبهم بدل مساعدتهم". والمهزلة في الأمر أن مسؤولي بلديات القرى الجنوبية المتضرّرة، الذين يفترض بهم أن يلتزموا بالقوانين، لأن بلدياتهم هي من مؤسسات الدولة، يعتبرون أن "الحزب" الذي سهّل، وربما زوَّر، وصولهم إلى مناصبهم، هو ربّ عملهم الأوحد.
وفي هذا الإطار، تبرز اتهامات الدولة بالتقصير بمواجهة إسرائيل ومطالبتها بتحرير الأسرى وإعادة الإعمار والإعفاء من الضرائب، بحجّة أن هذه البيئة هي ضحية الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة ونفي المسؤولية عمّن استحضر العدوّ إلى لبنان بمغامرة "حرب الإسناد".
وفي حين أن لا جدال بشأن مسؤولية الدولة عن مواطنيها، لا جدال أيضًا بشأن مسؤولية المواطن، حتى لو كان من "البيئة الحاضنة" تجاه دولته، فيسدّد الضرائب ويدفع فواتير الماء والكهرباء والميكانيك، ولا يبني بيته في مشاعات الدولة، أو يخالف قوانين البناء وإذا ما حاول ممثلو الدولة محاسبته، يتصرّف وكأنه مستهدف "بإجراءات تعسّفية" ومعتدى عليه لأنه ابن هذه "البيئة"، وليس لأن مخالفته موصوفة.
كما أن الدراسات تبيّن استحالة تمويل الإعمار بإمكانات الدولة الذاتيّة، والحصول على المساعدات العربيّة والدوليّة للتمويل شرطه الأساسي حصرية السلاح بيد الشرعية اللبنانية، أي تسليم "الحزب" سلاحه وقرار الحرب والسلم إلى الدولة التي يشارك فيها ويحرّض عليها.
وهذا الشرط، لو تحقق، ستجد الدولة من يساعدها، حتى لو استمرّت الاعتداءات الإسرائيلية التي ستفقد ذريعتها حينذاك... وهذا ما يتعارض ومشاريع "حزب اللّه" ومشغله الإيراني... لذا لا بدّ من مواصلة التحريض على إبقاء الدولة "خزمتشي" فقط لا غير.