شادي معلوف

"من جيل المذيعين الذين انحفر فيهم التدريب"

بسّام برّاك يُعيد الأمانة إلى أستاذه عمر الزين

7 دقائق للقراءة

"أنا من جيل المذيعين الذين انحفر فيهم التدريب وتتلمذوا وصُقلوا ولا نزال نتعلّم" بهذه العبارة أجاب الإعلامي بسّام برّاك (1972 – 2025) ذات مقابلة إذاعيّة حين سئل التعريف بنفسه.

هو ابن الإذاعة، أي مدرسة الصوت السليم والأداء القويم. وهو تلميذ عمر الزين، المدرّب على الأداء والإلقاء والمخرج الإذاعي. خمس جلسات تدريب مع الزين خضع لها برّاك "مشروع المذيع"، قبل أن يقول له المدرّب المخضرم: "فِلّ... طلاع ع الهوا".

في مطلع تسعينات القرن العشرين، كانت لا تزال " الطلعة ع الهوا" تتطلّب تدريبًا واختبارات في اللغة والأداء قبل "الطّلعة". وربّما يكون بسّام واحدًا من الجيل ما قبل الأخير من الإذاعيّين الذين عرفوا المهنة على أصولها وتدرّبوا واستعدّوا لها قبل ممارستها، بعدها صار المذيعون والمذيعات الجدد يتدرّبون بالمستمعين مباشرةً على الهواء. ثم وُلدت وسائل التواصل وصارت "طلعة الهوا" رأسمالها "كبسة زر" كاميرا الهاتف المحمول.

خمس سنوات أمضاها بسّام برّاك خلف ميكروفون الإذاعة، ستحمله بعد ذلك إلى شاشة واثنتين، وإلى عروض عمل من شاشات أخرى لم يجدها مناسبة له.

ومن الإذاعة إلى الإذاعة عاد، في العام 2022، ليختتم مسيرته معدًّا ومقدّمًا لبرنامج حواريّ سياسيّ عبر "صوت كل لبنان". لم يبعده عن الهواء سوى تراجع وضعه الصحيّ أواخر سنة 2023، وتأثير صراعه مع المرض على الذاكرة والنطق.

وبين كلّ ذلك الاحتراف في المسموع والمرئي والمكتوب، كان قلم بسّام برّاك يكتب المقالات والمواضيع الصحافيّة، ويُملي على أهل السياسة والصحافة والإعلام والفن والثقافة "إملاءه"، في مسابقة سنويّة تزامنًا مع "يوم اللغة العربيّة"، ويستعيد آلام المسيح وميلاده نصوصًا تأمليّة وجدانيّة يسجّلها بصوته ويناجي فيها المخلّص وأمه البتول، ويُضمّنها تارةً عتبه على أهل السماء وطورًا إيمانه وأمله في أن يجيز الله عنه كأس المرض الذي وافاه في نقطة قوّته: الذاكرة والصوت والأداء.

منابر الكنائس والمسارح والاحتفالات الدينيّة والدنيويّة، كانت بدورها شاهدةً على بسّام برّاك الإعلاميّ المحترف الذي زيّن الكلمة بجودة الأداء وشكّلها بحسن التجويد وإعطاء كلّ حرف حقه. وفي كتاب حمل توقيعه واسم "توالي الحبر" أصدره عام 2018، نشر ما تيسّر من نصوص ومقالاته.

هكذا، كما ينذر الراهب نفسه لهيكل الرب، نذر بسّام برّاك صوته لمحراب الإعلام محرّرًا ومذيعًا للأخبار، معدًّا ومقدّمًا للبرامج، كاتبًا للنصوص الصحافيّة والوثائقيّة، ومؤدِّيًا للمواد الدينيّة وشرح الأيقونات في فقرات مصوّرة... والأهم، مرتجلًا ساعات من التغطيات التلفزيونيّة في مواكبة الأحداث الكبرى، لعلّ أكثرها تأثيرًا وارتباطًا به كما كان يُفصح، تغطيته يوم تقديس البابا يوحنا بولس الثاني بمقابلات وتأمّلات طالت اليوم كلّه.

كيف لا يكون ذلك الارتباط بين برّاك والإيمان، وقد تتلمذ أولًا في الإكليريكيّة مشروع راهب أو كاهن، لكنه سرعان ما عاش حيرة ونزاعًا داخليًا: "هل سأمكث على طالبيّة الإكليريكية أم سأنتقل إلى الحياة العامة؟". سؤال جعله يرتبك أمام الله، كما روى يومًا، "حتى قرّرتُ أن سوف أؤدي رسالتي الإيمانيّة بانفتاح على الآخر، إنما في الإعلام!".

رحيل أستاذه الأول في احتراف الإلقاء والأداء الإذاعي المتقن عمر الزين (1932 – 2007) بقي ذكرى مؤلمة للتلميذ النجيب الوفي الذي استمرّ يزور أرملة معلّمه حتى غابت بدورها. لكن رحيل الزين لم يكن نهاية حقبة بالنسبة لبسّام برّاك، إذا أُبلغ من أسرة "الأستاذ عمر" أنه أوصى له بمكتبته وأوراقه ومراجعه، ليكمل المسيرة مدرِّبًا لأجيال جديدة في الإعلام المرئي والمسموع على الإلقاء والأداء واللغة.

وهكذا كان... فبالتزامن مع عمله الإعلامي، كان بسّام برّاك من القلائل الذين عُهدت إليهم مهمّة تدريب المذيعين والمذيعات الجدد في العديد من المؤسسات الإعلاميّة التي كانت تسعى إلى تحسين مستوى المنتسبين إليها خلف الميكروفون وأمام الكاميرا.

واستمرّ الراحل في حمل حقيبة عمر الزين وأوراقه، والعمل بالوصيّة – المهمّة، حتى انقطع الحرف عن بلوغ الشفتَين نتيجة المرض، أو ربما حتى صار الخضوع للتدريب بالنسبة لبعض الإعلاميّين والإعلاميّات والمؤسسات في مرتبة دنيا إن بقي لذلك وقت، بعد جلسات التجميل والماكياج والشعر واختيار الملابس.

قبل يومَين، صباح السبت الماضي، تموعدنا، ندى صليبا الشويري وجورج صليبي وأنا، لعيادة زميلنا الإعلاميّ بسّام برّاك المستلقي على سرير الرحيل. زرناه في بيته حيث الأسرة الصغيرة تحيطه بدفء الاحتضان، حتى فيض النفس الأخير بين الزوجة والابن والابنتَين. جورج شدّ على يده، حدّثه عن فيروز مطربته الأثيرة، فردّ بسّام بدوره بِشَدّةٍ واهنة على يد زميله القديم وصديقه الدائم. ترى هل كان يتفاعل أم كانت حركة لاإراديّة؟ ندى نادته تنبئه بوجودها. أنا تمنّيت له السلامة. ترى هل كان يسمع؟

صباح أمس بلغنا خبر الصمت الأخير. سكت الصوت وانقطع النفس وانفرط عقد الكلمات بِتبعثُر حروفها. حمل بسّام برّاك حقيبة أستاذه عمر الزين وطار ليلتقيه ويعيد إليه الأمانة.


* يحتفل بالصلاة لراحة نفسه الساعة 3:30 بعد ظهر اليوم الثلثاء في كنيسة سيدة الخلاص - عين الريحانة، وتقبل التعازي قبل الدفن وبعده، وغدًا الأربعاء من الساعة 11:00 صباحًا حتى 6:00 مساءً، في صالون الكنيسة. 


 

آخر ما كتب الإعلاميّ الراحل بسّام برّاك في صفحته على "فايسبوك"، نصّ نشره في ذكرى ميلاده عام 2024 يوم 26 حزيران. هذه مقتطفات منه:

تَمولُدي... هل يُعاد كي أعود كما كنت؟!

عذرًا ربّي... أعرف كم تحبّني، لكن أسألك أن تحبّني كما أحبّك... أسألك أن تعيدَني فكرة في بالك مرّة أخرى، هَيولى في سمائك، جنينًا في أحشائك الأبويّة عساني أشفي رأسي بيدك. تُريحه من عبء لن يدركه إلا أنت، فأنت مَن هرّأ لإدخال الثقل إلى دمائي وخيّأت مدى حبري بحبرك الآخر اللاإلهي قصدًا، حتى بت أنا بعيدًا عن أداء جمال الجماليّات في القراءات والأداء وخسرتُ أعمق ما ارتفعتُ به لغة وصفحات كتبت مفاتيحها، وأخسر ما لم يعد لديّ هو. "إسمي بين أسماء رائقة".

لماذا يا رب؟ لمَ لا تساعِيني برأسي ليلة عيد مولدي بعمليّة ثانية تُجمّل الأولى في موضع الكلام وما مشيته في تاريخي "ثلاثين سنة" ضمن مساحات الإعلام؟... ها ارتكبتُ خطيئة لا يُغفر عنها كي أستعيد قدراتي ويبقى عيد مولدي فرحي ليس مأساتي!

قلت لي يومًا في السادس والعشرين من حزيران: "وهبتُك مواهب هائلة حققتَه أنت و تميّزتَ به... والآن أريد استعادتَه إليّ لأنها من حقي وسأبقيك في الأرض خاسرًا وساعيًا لإعادة ذاتك وحدك... فأين إيمانك؟"

إيماني ها هو يتمَولد، لأشفى بعدّ السنوات المؤلمة رأسي وحذف قدراته. سأبدأ الرحلة مجدّدًا - قد لن أنجح - حتى لو لم أعُد إلى ما كنته، متسائلًا: "مَن سيعيد إليّ حروفي وكلماتي، من يمدّ إليّ لحَنجرتي نغمة صوتي؟ من سيضيء إليّ الشموع وقطراتِها، ومن يؤمّن لي قالَب الحلوى حين يجفّ البخور في ثيابي الصغيرة؟ من سيعلّمني كيف أحفر بقلمي سطورًا رافية. أنت يا الله ستعيد معي المشوار... معك إلى الوراء و... من الوراء!؟

ربّي... كي أنسى ما حلّ بي وما يُصيبني اليوم وغدًا أسمِعني فيروز في ذكرايَ تغنّي: "بيتي أنا بيتك... وسع المدى".



نعي الراحل بسّام برّاك



حقيبة عمر الزين التي أوصى بها لبرّاك



من أوراق عمر الزين لبسّام برّاك



حاملًا كتابه اليتيم



مع الإعلاميَّين جورج صليبي وعادل مالك