مذكّرات كاظم الخليل (1900-1990) المنتظرة منذ أكثر من ثلاثة عقود، ليست مجرّد مذكّرات رجل سياسي ليبرالي بارز كان في قلب الأحداث، وفي معظم الأحيان مشاركًا في صنعها، والتي عرفها لبنان منذ تشكّله ككيان سياسي في مطلع العشرينات من القرن العشرين. إنها مذكّرات مسؤول مسكون بهاجس إنقاذ التجربة اللبنانية التي حضر ولادتها واقتنع برسالتها والغاية منها، وساهم في بناء أسسها ولُبناتِها الأولى، والحؤول دون تعريضها للخطر. والأهم أنه دافع بشجاعة عنها، رغم الأثمان الباهظة التي تكبّدها، لأنها بنظره تستحق الحياة.
هذا المقتطف مستلٌّ من الجزء الأول من "مذكّراتي" الصادرة عن "دار سائر المشرق"، وفيه يروي الخليل بعض مشاهداته عن يوميّات القصر الجمهوري في القنطاري إبّان أحداث العام 1958، ودور قائد الجيش فؤاد شهاب الملتبس فيها.
اِشتدت الهجمات على القصر الجمهوري، وعمّ اختلال الأمن كافة الأنحاء اللبنانية، وتفاقم بشكلٍ لم يعد يجوز السكوت عليه. فتوجّهتُ مع بعض الزملاء إلى الرئيس نطلب منه عقد جلسة لمجلس الوزراء يُدعى إليها قائد الجيش لنتداول معه بما يجب اتخاذه من إجراءات لإنهاء الفتنة والحدّ منها. اِستصوب الرئيس الرأي وعيّن موعدًا لعقد جلسة لمجلس الوزراء دُعي إليها الجنرال شهاب. وفي الموعد، حضر قائد الجيش، ودخل إلى مجلس الوزراء، وهو يتأبّط لفافة كبيرة ملفوفة بشكلٍ فني وضعها أمامه على الطاولة. اِفتتح الرئيس الجلسة وأثار موضوع أحداث الساعة. فابتدأ الوزراء يناقشون الجنرال شهاب ويلقون عليه الأسئلة، وهو يجيب عنها بشكلٍ مختصر ومقتضب. ثم فض ملفّ البطاقة وأزال عنها اللفائف، وإذا هي تصميم (كروكي) للحدود اللبنانية - السورية مصنوع من الجفصين يُظهر الحدود بجبالها ووديانها وممرّاتها وطرقاتها ومجاري المياه فيها.
قال الجنرال: "أتيتُ إليكم بهذا التصميم لأُبَيِّن لكم الوضع العسكري على الحدود وجوارها". وأخذ قلمًا بيده يدلّ به على مواقع الطرقات والممرّات على الحدود اللبنانية - السورية والتي يتسرّب منها المقاتلون من سوريا إلى لبنان، والأمكنة الوعرة التي يمرّون بها بأعدادٍ كبيرة مع أسلحتهم الخفيفة والثقيلة. ثم أضاف: "الجيش عاجزٌ عن حماية كلّ هذه الحدود بالنظر إلى سعتها وطبيعتها ووعورة مسالكها وطرقاتها. ولذا فلا سبيل لحمايتها ومنع دخول المسلّحين عبرها". ثم انتقل إلى بحث الوضع الداخلي. وشرح لنا وضع كلّ منطقة وعدد المسلّحين فيها وعدد السوريين واللبنانيين. وبعد شرحٍ طويل ومناقشات الوزراء التي لم تكن تتعدّى الأسئلة السطحيّة المقرونة بكلّ تحفظ، لخص لنا الوضع على الشكل الآتي:
إن في البلاد بين أيدي الثوار ما يربو على الثمانين ألف قطعة سلاح والجيش لا يملك سدس أو خمس هذا العدد، وهو لا يقوى على الوقوف بوجه هذه القوّة من المسلّحين، وأقصى ما يمكنه اتخاذه من تدابير هو الدفاع عن نفسه فقط. ولذا فإني أصارحكم بألا تعتمدوا على الجيش لبسط سيادة الدولة على المناطق التي يسيطر عليها الثائرون ولا القضاء على ثورتهم.
بهذه الجمل والعبارات أنهى محاضرته الطويلة والمخيفة والمؤلمة. سكت وسكت الجميع. وبدا على الكلّ الوجوم والاستغراب. أما الرئيس، فقد بقي كلّ الجلسة ساكتًا ومستمعًا يديرها ويكتب على أوراقٍ أمامه. وكنتُ طيلة الوقت مستمعًا ولم أشترك بالمناقشة والأسئلة وكاد قائد الجيش يغادر المكان بعد أن سكت الجميع. فاستأذنتُ الرئيس بالكلام، وكان الانفعال قد أخذ مني مأخذه بعدما سمعتُ من قائد الجيش ما سمعتُه، وهو الذي تحت إمرته خمسة عشر ألف مقاتل مجهّزين بأسلحة ثقيلة ومدافع ودبّابات ومصفحات، بينما المقاتلون لا يملكون سوى البندقية العادية. كما وأن عدد البنادق لدى الثوار الذي ذكره، وهو ثمانون ألف بندقية، مبالغ فيه ولا يمتّ إلى الحقيقة بصلة. وما أثارني أكثر من هذا وسواه، هو أن قائد الجيش يعرف حقيقة عدد الثوار وعدد أسلحتهم وأنواعها، ويعرف أيضًا أن لا قدرة لهم على مجابهة الجيش والوقوف في وجهه. وهو يعلم أن جزءًا من الجيش قادر على إنهاء المقاتلين ووضع حدّ لثورتهم، ويعلم أيضًا أن سيّارات الشحن التابعة للجيش السوري هي التي تنقل الأسلحة إلى المقاتلين، وتدخل الأراضي اللبنانية من المدخل الرسمي، وعلى مرأى من رجال الأمن، وتصل إلى بيروت وتفرغ حمولتها في مستودعات المقاتلين. وقد نقلت إليّ جماعةٌ من مؤيديّ تاريخ دخول السيارات وأرقامها والأمكنة التي أفرغت فيها حمولتها. وكنتُ شخصيًا قد نقلتُ إليه كلّ هذه المعلومات بواسطة رئيس أركان الجيش، ولا شكّ في أنه أطلعه عليها، ولكنه لم يأخذ أي إجراء بشأنها. يعرف قائد الجيش كلّ هذا وأكثر منه، وأنا متأكّدٌ من أنه على اتفاقٍ مع السوريين وعلى اتصالٍ مستمرّ بهم، ورغم كلّ ذلك يأتي إلى مجلس الوزراء ويضعنا في جوٍ من الخوف والوجل، ويضع أمامنا صورة قاتمة ومخيفة عن أوضاع البلاد وعجز جيشها ويدعونا إلى القنوط والاستسلام. فقلت:
"حضرة القائد إن محاضرتك الطويلة والأدلّة والبراهين التي أدليتَ لنا بها، وأعداد الأسلحة التي حدّدتها لنا وعجز الجيش الذي صارحتنا به، كلّ ذلك لم يقنعني ولن يجعلني ولا يجعلني أغيّر مما أنا مؤمن به.
حضرة الجنرال، إن ما أدليتَ به لم يقنعني وهو مبالغ فيه كلّ المبالغة، وكنت أرجو أن يكون بين الصفحات السوداء للرسالة التي تلوتَها علينا صفحة واحدة بيضاء. كأن تقول لنا مثلًا هذا هو وضعنا، فإن قمنا بكذا وكذا واتخذنا الإجراء كذا، لوصلنا إلى المصير كذا. أما وأن تجعل كلّ صفحات رسالتك سوداء لا تترك لنا فيها أي أمل، وتقفل بوجهنا كلّ الأبواب لخلاصنا ولا تجد لنا إلّا بابًا واحدًا نعبر منه وهو باب القنوط والاستسلام، فهذا ما لا أؤمن به ولا يمكنني قبوله.
واسمح لي أن أؤكّد للزملاء أن بإمكان الجيش اللبناني القضاء على الفتنة بغضون أيّام معدودة إذا حزم أمره واعتمد القتال. وإذا كنتَ لا تؤمن بهذا، فأنا مستعدّ لأن أتولّى قيادة ألفَي جندي مع معدّاتهم وآلياتهم ولمدة شهر واحد فأقضي على كلّ أثرٍ للمسلّحين والمقاتلين وأراهن على ذلك بكلّ ما تريد. ولأدلّل على صحّة ما أقول أشير إلى ما حدث في منطقة صُور التي لي فيها ما لا يزيد عن 75 مسلّحًا قضوا على كلّ شغب، وأمّنوا الأمن فيها، ومنعوا حصول أي حادث رغم اهتمام السوريين بهذه المنطقة".
وما كدت أصل بحديثي إلى هذا القدر حتى تصدّى لي بعض زملائي من الوزراء يدافعون عن قائد الجيش ويستنكرون مهاجمتي له وتحدّيه. وقد حاولتُ أن أردّ عليهم، فقاطعني الرئيس ولطّف بخاطر القائد الذي بقي محافظًا على أعصابه ولم يثره حديثي ولم تحرّك عواطفَه اتهاماتي. والتفت إليّ بكلّ هدوء وقال:
- يا معالي الوزير ربما تكون معلوماتك العسكرية أوسع من معلوماتي، وأخبارك أوثق من أخباري، وما قلته لكم هو ما أعلمه وأؤمن به ولا أعرف سواه، وإذا كان ذلك لا يعجبك فبإمكانك أن تقيلني وتستغني عن خدماتي.
- أرجو ألا يفهم من حديثي أن دافعًا شخصيًا يحملني على موقفي هذا منك، بل إن المصلحة اللبنانية هي التي تدفعني لأن أضحّي بالرؤساء والمناصب كلّها.
- ضحّ بما تشاء.
ووقف. عندها تصدّى لي الرئيس وأخذ يلطّف بخاطر الجنرال وتبعه الوزراء ولم يساندني أحد منهم، وأصبحتُ كأني منبوذ بينهم. وقبل أن ينصرف صافح مودّعًا الجميع باِستثنائي. وعلى الأثر خرجتُ أيضًا من دون أن أودّع أحدًا حتى الرئيس نفسه. وذهبت فورًا إلى الجبل وكنت متأثّرًا جدًا من الرئيس ومن زملائي الوزراء، وقرّرت ألا أعود إلى القصر حتى تصدر عن الرئيس بادرة يكفر بها عن موقفه مني. وكان في ذلك الحين، في الساعات الحرجة، وبحاجة للاستعانة بي في كثير من الأمور.
أما قائد الجيش فقد قرّر أن يقتصّ مني، وأعطى الضوء الأخضر إلى المكتب الثاني، وهذا بدوره أعطى التوجيهات إلى زبانيته في المنطقة، ثم أرسل ضابطًا كبيرًا ليشرف على قيادة محاربتي كما سيرد في مكان آخر.
مهاجمة القصر الجمهوري والدفاع عنه
بعد أيّام، قرّر قادة الفتنة تشديد الضغط على الرئيس بهجومٍ مكثف على القصر بقصد حمله على الاستقالة من منصبه، ولم يكن قصدهم التوصّل إلى احتلال القصر وإعلان انقلاب عسكري أو شعبي. اِبتدأ الهجوم ليلًا ودام حتى ساعة متأخرة من الليل. وفي الصباح، تلقيتُ هاتفًا يدعوني إلى حضور جلسة لمجلس الوزراء في القصر الجمهوري. فقلت لمكلّمي: "بلّغ فخامة الرئيس أن يطلب من قائد الجيش صدّ الهجوم وحماية القصر، وأن لا فائدة من اجتماعات الوزراء، لذلك أعتذر عن الحضور".
على الأثر، اتصلت بي الرئيسة وأصرّت عليّ بالحضور، فاستجبت لإلحاحها وحضرت فورًا، ولم يكن قد حضر أحد من الوزراء حين وصلت القصر. سألتُ عن الرئيس فقيل لي إنه لا يزال في الطابق العلوي، فصعدت إليه كعادتي كلّما تأخر عن النزول إلى مكتبه، فوجدته نائمًا في البهو الكبير الذي يتوسّط غرف النوم وإلى جانبه بندقيّته، فلم أوقظه. ودخلت صالون مجلس الوزراء وطلبت القهوة، وإذ بالرئيسة تدخل عليّ وتنبئني بأن "هجومًا مسلّحًا شديدًا شنّ ليلًا على القصر، واستهدف غرفة نوم الرئيس بالذات. وقد تصدّى لهم الرئيس بنفسه مع الحرس الجمهوري حتى أولى ساعات الصباح واضطرّ أن ينام في البهو. وليست هي المرّة الأولى التي ينام في البهو هنا، لأن طلقات نارية كانت تتساقط دومًا على غرفة نومه".

* في "فصل من كتاب" الأربعاء المقبل، تقرأون جزءًا ثانيًا من مذكّرات الوزير والنائب السابق كاظم الخليل يتناول فيه كواليس انتخاب سليمان فرنجيّة رئيسًا للجمهوريّة.