أمضى الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم الأخير من زيارته إلى اليابان أمس، مع رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة ساناي تاكايتشي، التي استقبلته في البداية في قصر أكاساكا في طوكيو، حيث شاهدت معه قبل المحادثات مباراة في السلسلة العالمية الأميركية للبايسبول، التي تُعدّ هواية مشتركة بين أميركا واليابان. واستهلّت تاكايتشي المحادثات بالإشارة إلى رئيس الوزراء الياباني الأسبق شينزو آبي، مرشدها المحافظ الذي أقام علاقة وثيقة مع ترامب خلال ولايته الأولى واغتيل عام 2022، إذ قالت: "كان رئيس الوزراء آبي غالبًا ما يحدّثني عن دبلوماسيّتك الحيوية"، فيما أكّد ترامب أن "شينزو آبي كان صديقًا عظيمًا لي"، لافتًا إلى أنه "كان يتحدّث عنكِ بإعجاب كبير". واعتبر أن آبي "سيكون سعيدًا جدًا لو علم" أن تاكايتشي أصبحت الآن رئيسة للوزراء.
وأكّد ترامب أن العلاقة مع اليابان "ستكون أقوى من أيّ وقت مضى". وقدّم إشادة خاصة بتاكايتشي، متعهّدًا لها بأنه "أي شيء يمكنني فعله لمساعدة اليابان، سنكون هناك". وأوضح أن عرضه مساندة اليابان في كافة الظروف يشمل أيضًا "أي خدمات تحتاجينها". ورأى أنه "ستقومين بعمل رائع، وسنقيم علاقة رائعة". كما أشاد بكون تاكايتشي أوّل امرأة تتولّى هذا المنصب، معتبرًا أن "هذا أمر كبير". وكشف البيت الأبيض أن تاكايتشي أخبرت ترامب بأنها سترشحه لجائزة "نوبل للسلام". ووقع الزعيمان على اتفاق تنفيذيّ لإطلاق ما وصفاه بـ "العصر الذهبي" لتحالف بلديهما، وعلى اتفاق آخر شمل إطارًا أميركيًا - يابانيًا لضمان تأمين إمدادات المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، فضلًا عن اتفاقات أخرى تقضي بالتعاون في تطوير مشروع الغاز الطبيعي المسال في ألاسكا ووقف واردات الغاز الروسي المسال، بالإضافة إلى اتفاق يتعلّق بواردات اليابان من فول الصويا الأميركي. بالتوازي، وقع وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك ووزير الأراضي والبنية التحتية والنقل الياباني تاكايوكي كانيكو، مذكرة تفاهم تهدف إلى تعزيز صناعة بناء السفن الأميركية التي تعاني صعوبات. وبموجب المذكرة، ستنشِئ الدولتان مجموعة عمل لتعزيز التعاون في تطوير صناعة بناء السفن والصناعات البحرية.
وإذ أكّدت تاكايتشي أنها وترامب لم يناقشا أي أهداف لزيادة التسلّح أو الإنفاق الدفاعي لليابان، حسمت أنها عازمة على "الدفع بشكل استباقي" نحو تعزيز كبير لقوات بلادها العسكرية. وكانت قد أعلنت الأسبوع الماضي خططًا لرفع الإنفاق الدفاعي الياباني ليصل إلى اثنين في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي بحلول آذار، أي قبل الموعد المقرّر بسنتين. وحضت الصين، اليابان، أمس، على "احترام مخاوف الأمن لدى جيرانها بجدية"، بعدما تعهّدت تاكايتشي بالعمل مع ترامب لضمان أن تكون منطقة آسيا والمحيط الهادئ "منفتحة وحرّة". وأجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالًا هاتفيًا مع نظيره الياباني توشيميتسو موتيغي، حيث أشار وانغ إلى بعض الإشارات الإيجابية الصادرة من الحكومة اليابانية الجديدة، التي أعرب عن أمله في أن تتخذ "خطوة أولى" جيّدة في الانخراط مع الصين. ورأى أن القضايا المتعلّقة بالتاريخ ومسألة تايوان تؤثر على أساس العلاقات الثنائية والثقة الأساسية بين الجانبَين، بينما أكّد موتيغي أن تاكايتشي تولي أهمية كبيرة للعلاقات بين البلدين، لكنه عبّر عن قلقه البالغ في شأن القيود التي تفرضها الصين على صادرات العناصر الأرضية النادرة، كما جدّد إعرابه عن القلق الجاد إزاء أنشطة الصين في بحر الصين الشرقي، بما في ذلك المناطق المحيطة بجزر سينكاكو.
وعندما خرج ترامب وتاكايتشي من اجتماعهما الثنائي، كان هناك نحو 12 شخصًا يجلسون على جانبي القاعة يحملون صور أفراد من عائلاتهم. هؤلاء هم أقارب لأشخاص اختطفتهم كوريا الشمالية. وكان ترامب قد التقى عائلات يابانيين اختطفتهم كوريا الشمالية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي خلال زيارته اليابان في ولايته الأولى عام 2019، وقد أشار إلى أن بعض هؤلاء الأقارب كانوا حاضرين أيضًا أمس، وقال: "أتذكر هذه الوجوه الجميلة جميعها". وحسم أنه "أنا معهم قلبًا وقالبًا، وأميركا تقف معهم".
بعد ذلك، توجّه ترامب وتاكايتشي إلى حاملة الطائرات "يو أس أس جورج واشنطن" في قاعدة يوكوسوكا البحرية. ورحّب ترامب بتاكايتشي على متن الحاملة، قائلًا: "هذه المرأة فائزة". وكشف أن شركة صناعة السيارات اليابانية "تويوتا" تخطط للاستثمار في أميركا "بقيمة تتجاوز 10 مليارات دولار". وتطرّق إلى بعض موضوعاته المفضلة، مثل مكافحة الجريمة في المدن الأميركية وجذب الاستثمارات الأجنبية، في وقت تحدّثت فيه تاكايتشي باليابانية، معربة عن شعورها "بشرف كبير" لتواجدها هناك. وشدّدت على أنه يجب أن يكون هناك "عزم ثابت" للحفاظ على السلام في المنطقة.
وقدّمت تاكايتشي لترامب تذكارات من زيارته عام 2017، بحيث تضمّنت الهدايا عصا غولف استخدمها آبي أثناء جولات الغولف التي لعبها مع ترامب، بالإضافة إلى مجموعة من كرات الغولف المطلية بالذهب والمطبوعة باسم ترامب، فضلًا عن حقيبة "كادي" استخدمها لاعب الغولف الياباني المحترف هيديكي ماتسوياما، الذي شاركهم اللعب حينها. وأبلغت تاكايتشي، ترامب، بأن بلادها ستمنح واشنطن نحو 250 شجرة كرز إضافية العام المقبل، تكريمًا للاحتفال بالذكرى الـ 250 لتأسيس أميركا، إضافة إلى ألعاب نارية من محافظة أكيتا لاحتفالات الرابع من تموز عام 2026. والتقى ترامب أرملة آبي، آكي، التي شكرت ترامب على أنه ما زال يذكر زوجها الراحل ويواسيها بكلمات دافئة، في حين شاءت الصدف أن تتزامن زيارة ترامب اليابان ولقاؤه أرملة آبي مع افتتاح محاكمة قاتل آبي، تيتسويا ياماغامي، البالغ من العمر 45 عامًا، الذي اعترف بقتل آبي أمام المحكمة أمس، مطالبًا إيّاها بأن تتعامل معه بليونة.
وشارك ترامب في عشاء مع كبار التنفيذيين داخل السفارة الأميركية في طوكيو، حيث توجّه إلى الحضور بالقول: "أنتم رجال أعمال رائعون، ويكاد معظمكم يكون صديقًا لنا، بلدنا لن يخذلكم"، مشدّدًا على أن تاكايتشي "لديها كامل دعمنا". وأكد لرجال الأعمال أنهم إذا لم يتمكّنوا من إحراز تقدّم من خلال التواصل مع مسؤولي إدارته، فعليهم "الاتصال بي وسأتجاوزهم إذا لزم الأمر". وأعلن لوتنيك التزام شركات يابانية عدة باستثمارات في أميركا بقيمة 490 مليار دولار، تشمل قطاعات تطوير الطاقة النووية، والهندسة وخدمات البناء، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ومن المقرّر أن يتوجّه ترامب إلى كوريا الجنوبية اليوم لتكون آخر محطات رحلته الآسيوية، حيث سيلتقي الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ وسيلقي كلمة أمام قادة الأعمال خلال قمة الرؤساء التنفيذيين لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، قبل أن يشارك في قمته المرتقبة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ غدًا. وكشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن ترامب وشي سيناقشان إطار عمل تجاريًا لخفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الصينية، مقابل التزام بكين بالحدّ من صادرات المواد الأولية المستخدمة في تصنيع مخدّر الفنتانيل.
في الغضون، أكّد الرئيس التايواني لاي تشينغ تي، خلال حضوره حفل عشاء أقامته لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية في تايوان الإثنين، أن إسرائيل نموذج تتعلّم منه تايوان كيفية تعزيز الدفاعات، مستشهدًا بقصة داود وجليات التوراتية عن ضرورة الوقوف في وجه الاستبداد. وحسم أن الاسترضاء لم يكن أبدًا السبيل لصدّ الحكومات الاستبدادية، وأن مفهوم السلام من خلال القوة هو مبدأ لدى المجتمعات الإسرائيلية والأميركية والتايوانية منذ سنوات.
على صعيد آخر، كشف وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أن ثلاث غارات أميركية على أربع سفن تنقل مخدّرات في شرق المحيط الهادئ الإثنين، أسفرت عن مقتل 14 شخصًا مِمّن وصفهم بالمهرّبين، بينما نجا شخص واحد فقط وتتولّى السلطات المكسيكية عملية البحث عنه وإنقاذه.