الدكتور سايد حرقص

بين الزخم الدبلوماسي وانكفاء "حزب الله"… هل ينسحب نموذج اتفاق غزة على لبنان؟

4 دقائق للقراءة

تعيش بيروت هذه الأيام حالة غير مسبوقة من الزخم الدبلوماسي المكثّف، يعكس تحوّلاً في النظرة الدولية والإقليمية إلى لبنان، الذي عاد فجأة إلى قلب الجغرافيا السياسية بعد أن كان لسنواتٍ طويلة هامشًا من هوامش الأزمات الكبرى. فزيارة مورغان أورتاغوس، القريبة من دوائر القرار في واشنطن، التي تزامنت مع زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، في مشهدٍ لا يخلو من الدلالات حول عودة التنسيق الأميركي – العربي إلى المسرح اللبناني، بعد مرحلة طويلة من الانكفاء والترك المتعمّد للساحة بيد طهران ووكلائها.

هذا الحراك يأتي في لحظةٍ مفصلية: فحزب الله، الذي اعتاد تحويل كل تطور سياسي أو أمني إلى استعراضٍ للقوة، يبدو اليوم في موقعٍ دفاعي غير مسبوق. فمع تزايد وتيرة الاغتيالات الإسرائيلية المنهجية ضد قياداته وكوادره، يعجز الحزب عن الرد، مفضّلًا الصمت على المغامرة. هذا الصمت، الذي يحاول بعض أنصاره تبريره بـ"الحكمة" أو "التوقيت"، لم يعد مقنعًا حتى داخل بيئته. إذ إنّ التوازن الذي كان يرتكز عليه الحزب قد انكسر، ومعه صورة "المقاومة القادرة" التي بنى عليها شرعيته طوال عقود.

في المقابل، يُسجَّل تحوّل واضح في المعادلات الإقليمية. فالتعاون الأميركي – المصري- السعودي الذي أفضى مؤخرًا إلى وقف إطلاق النار في غزة وتبادل الأسرى والاتفاق على نزع سلاح “حماس” لا يمكن قراءته كإنجازٍ موضعي فحسب، بل كإشارة إلى ولادة مقاربة جديدة في إدارة الصراعات الشرق أوسطية: مقاربةٍ تقوم على شراكةٍ أميركية – عربية واضحة، تهدف إلى إعادة الإمساك بملفات المنطقة بعيدًا عن المساومات مع طهران أو مقايضات الميدان بالسياسة.

ومن هنا ينبثق السؤال الجوهري: هل يمكن أن ينسحب النموذج الغزّاوي على لبنان؟ وهل نشهد في المرحلة المقبلة محاولةً لتطبيق الخطة الأميركية – العربية نفسها الهادفة إلى قطع أذرع إيران في العالم العربي، من بغداد إلى صنعاء، ومن دمشق إلى بيروت؟

المعطيات الراهنة تُرجّح هذا الاتجاه. فـحزب الله في أضعف مراحله منذ تأسيسه: قياداته تتساقط تباعًا، خطوط تمويله تضيق تحت العقوبات، وحاضنته الشعبية تعيش حالة إنهاكٍ غير مسبوقة بسبب الانهيار الاقتصادي والعزلة الاجتماعية والسياسية. ومع انتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية ونواف سلام رئيسًا للحكومة، استعاد النظام السياسي اللبناني شيئًا من توازنه المؤسساتي المفقود، ما فتح الباب أمام إمكانية استعادة الدولة دورها السيادي ضمن منظومة دعمٍ إقليمي ودولي يزداد وضوحًا.

تقوم هذه المقاربة الجديدة على ما يمكن تسميته بـ“استراتيجية الاحتواء المزدوج”:احتواء النفوذ الإيراني في المشرق من جهة، واحتواء الفوضى الناتجة عن تفكّك الدول من جهة أخرى. وهي استراتيجية ترتكز إلى ثلاث ركائز أساسية:

1. إعادة الاعتبار للدولة الوطنية كمرجعيةٍ وحيدة للسلطة والشرعية.

2. تجفيف منابع التمويل التي تغذّي الميليشيات التابعة لطهران عبر أدوات اقتصادية ومصرفية دقيقة.

3. قيادة محورٍ عربيّ – مصري – سعودي مدعوم من واشنطن لإدارة الأمن الإقليمي ومنع انهيار الكيانات الوطنية.

لبنان، في هذا السياق، يتحوّل إلى نقطة اختبارٍ أساسية لهذه الرؤية الجديدة. فنجاحها في بيروت يعني إمكانية تمديدها إلى ساحاتٍ أخرى، وفشلها يعني انتكاسة في مشروع إعادة ترميم الدولة العربية. ومن هنا تكتسب الأسابيع المقبلة طابعًا حاسمًا: هل تستطيع واشنطن والقاهرة، كما فعلتا في غزة، فرض معادلة “التهدئة مقابل السيادة”؟ أم أنّ لبنان سيبقى عالقًا في رمادية الموقف، بين سلاحٍ فقد معناه ودولةٍ لم تستعد بعد إرادتها؟

وسط هذا التحوّل الجذري في الإقليم، يبرز مشهدٌ داخلي لا يخلو من العبثية:

رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ومن معه الذين ما زالوا يعيشون في عزلةٍ إنكارية، منشغلين في تلميع صورتهم ومحاولة تبرئة أنفسهم من إرث ميشال عون الكارثي. هؤلاء يصرّون على محاربة ثورة 17 تشرين 2019 كما لو أنها ما زالت تهدّدهم، بينما الواقع تغيّر جذريًا من حولهم. إنهم يحاربون طواحين هواء الماضي في وقتٍ يعيد فيه الشرق الأوسط صياغة مستقبله.

في عالمٍ يتّجه نحو إعادة رسم التوازنات على قاعدة “دولة على انقاض ميليشيا”، يواصل هؤلاء لعب دور “ضحايا التاريخ”، وكأنّ غسل فسادهم أولى من إنقاذ لبنان. لكنّ الزمن تجاوزهم، والعواصف التي تهبّ من الإقليم لن تنتظرهم، كما لن تحميهم تبريرات “العهود المظلومة” ولا أحلام التوريث السياسي.

إنّ الشرق الأوسط يدخل فعلاً مرحلة ما بعد الميليشيات الإيرانية، مرحلة إعادة ترميم الدولة كإطارٍ جامع، لا كغطاءٍ للفساد أو الوكالة. ولبنان، رغم هشاشته البنيوية، يجد نفسه في قلب هذا التحوّل: إما أن يكون نموذجًا للدولة التي استعادت قرارها، وإما أن يتحوّل إلى آخر معاقل الفوضى في زمنٍ يتقدّم فيه الآخرون نحو النظام الجديد.