حال اللّاحرب واللّاسلم ليست أقل خطورة على لبنان من الحرب. وليس من المعقول ولا المقبول أن يكون الخيار أمامنا هو إمّا الذي يؤدي إلى تفاقم الأزمات وانهيار البلد وإمّا الذي يبدأ بتدميره. ومتى؟ حين أعطي لبنان فرصة لسحب سلاح "حزب اللّه" وبدء التجدّد والإصلاح وتدفق المساعدات والاستثمارات في إطار فرصة كبرى للسلام في الشرق الأوسط. وقمّة البؤس السياسي أن تراهن السلطة على أميركا وفرنسا لإخراج الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب، أو على "الميكانيزم" لدفع إسرائيل إلى وقف الاعتداءات والخروقات اليومية لاتفاق وقف الأعمال العدائية. وقمّة البؤس العسكري اتكال "حزب اللّه" على حسابات التقدير أن العاصفة التي تتجمع فوق لبنان هي تهويل يمارسه العدوّ الإسرائيلي وتروّج له أميركا، والحرب مستبعدة.
ذلك أن الخيار الطبيعي أمس واليوم وغدًا وفي أي مكان هو استفادة الأرض المحتلّة بالقتال أو التفاوض، وغالبًا بالتفاوض بعد القتال. لكن تعقيدات الأوضاع وحسابات التوازن التي هي عمليًا حسابات الهيمنة المستمرّة في المرحلة الجديدة، تفرض نوعًا من مسرح العبث في ذروة التراجيديا: لا قتال ولا تفاوض. فما يطلبه "الثنائي الشيعي" من الدولة هو تقريبًا ألا تفعل شيئًا، وسط امتناع "حزب اللّه" عن الردّ على اغتيال كوادره وضرب أهداف له، وتكرار إحراج الدولة بدعوتها إلى استعادة الأرض التي كانت محرّرة من إسرائيل قبل "حرب الإسناد". وما تطلبه إسرائيل وأميركا أكثر ممّا تستطيع السلطة الحالية القيام به، وهو التفاوض المباشر وعلى المستوى السياسي بحجّة أن التحوّلات تجاوزت التفاوض غير المباشر الذي أعلن الرئيس جوزاف عون الاستعداد له، وسط تحفظات الممانعة.
والوقت يضيق، ونافذة الفرصة المفتوحة مهدّدة بالإغلاق لولا الحاجة إلى لبنان وسوريا والعراق ضمن الترتيب الأميركي الجديد للشرق الأوسط. لكن "حزب اللّه" يذهب إلى أعلى سقف في حرب الكلام والشعارات والتمسّك بسلاح لا رغبة في استعماله حاليًا حتى دفاعًا عن نفسه، وربما لا قدرة على استعماله قبل أن تدق ساعة القرار في طهران. وليس في الدفاع عن التمسّك بالسلاح سوى تنويعات نظرية في واقع مختلف. فالمنطق الدفاعيّ عنه لا يلتفت إلى التجربة على الأرض. وأساسه هو القول إن الجيش عاجز عن المواجهة في حرب كلاسيكية مع العدوّ، ولا بدّ من الحفاظ على سلاح "المقاومة" للمواجهة في حرب "لا متماثلة". لكن ما أكّدته "حرب الإسناد" وما بعدها هو أن سلاح "حزب اللّه" عاجز عن الردع كما عن حماية نفسه وبيئته ولبنان، وحتى عن مواجهة الاحتلال. فضلًا عن أنه خاض حربًا كلاسيكية بالصواريخ والمدفعية والمسيّرات. وفضلًا أيضًا عن أن أية حاجة إلى مقاومة لمواجهة حرب "لا متماثلة" تتطلّب مقاومة ذات بنية وطنية، لا مقاومة إسلامية يقودها حزب مذهبي أيديولوجي مرتبط بولاية الفقيه، وله خصوم في الداخل والخارج ويلعب أدوارًا في الخارج.
والواقع أن "الحزب" الذي يعلن بلسان الأمين العام الشيخ نعيم قاسم أنه استعاد قوّته ورمّم نفسه، ولا فرق بين كون الإعلان دليلًا على قوّة أو نوعًا من تغطية ضعف، لا يزال يلعب ضمن قواعد اللعبة في المرحلة الماضية. كيف؟ بعد حرب 2006 أخذ "حزب اللّه" وقته طويلًا لبناء منظومته الدفاعية والهجومية في منطقة عمليات القوات الدولية كما في بقية المناطق اللبنانية. كانت إسرائيل تراهن على الردع، و "الحزب" يتحدث عن "توازن الردع" وتكديس السلاح مستمرّ من دون إطلاق رصاصة واحدة عبر "الخط الأزرق". وهذه مرحلة انتهت لتبدأ مرحلة "الحسم" في حروب غزة ولبنان وإيران. وأبسط ما يقوله رئيس الأركان الجنرال إيال زامير هو أنه "ستدمّر أية قوة معادية قبل أن تكتمل". وهذا ما يفعله في لبنان ضد البنية التحتية للمقاومة الإسلامية عبر حرب استنزاف من طرف واحد.
أمّا الحرب التي يرى نتنياهو أنها "إكمال المهمة" في لبنان، فلن تقتصر على ضرب "حزب اللّه" من دون أن تشمل لبنان الرسمي والشعبي. ولا أحد يجهل كيف يكون وضع العهد والحكومة والمجلس النيابي والبلد بعد الحرب.
و "إذا كنت لا تعرف كيف تصنع السلام فلا تحارب" كما قال الرئيس التركي الراحل سليمان ديمبريل.