منذ أن تولّى الشيخ نعيم قاسم الأمانة العامة لـ«حزب الله» بعد اغتيال السيد حسن نصرالله في أيلول 2024، يحاول الرجل إعادة ترميم صورة الحزب المتصدعة بخطابٍ مفعم بالدعاية والوهم، يذكّر بأساليب إدوارد بيرنيز، الأب المؤسس لفنّ التسويق الحديث، الذي حوّل السيجارة من مادة قاتلة إلى «رمزٍ للحرية والرجولة» مستنداً إلى علم النفس الجماعي وتقنيات التأثير اللاواعي في الجمهور.
كما استخدم بيرنيز علم النفس لخلق حاجة وهمية لدى الناس، يستغل الشيخ نعيم قاسم الإيمان والعاطفة الدينية لخلق وهمٍ بالنصر لدى جمهورٍ محبطٍ ومحاصرٍ بالخسائر. كلاهما يُسوّق لمنتجٍ قاتل مغلفٍ بالأناقة: الأول باع دخاناً يقتل الرئتين، والثاني يبيع خطاباً يُخدّر العقول ويخنق الوطن.
في خطاباته الأخيرة، يسعى قاسم لتجميل القبح وإقناع الجنوبي المهجّر والمحروم من العودة إلى بيته بأن ما يعيشه هو «نصرٌ إلهي» و«نعمةٌ من المهدي». إنه يسوّق للكارثة كقَدَرٍ مقدّس، وللدمار كعلامة انتصار.
وكما كانت إعلانات بيرنيز تصوّر التدخين على أنه دليل ثقةٍ بالنفس، يصوّر قاسم الخراب على أنه طريق الخلاص. لكن كما يخفي الدخانُ سرطاناً، تخفي هذه الخطابات مأساة شعبٍ يعيش إنكاراً جماعياً، بانتظار الصفقة الكبرى بين تاجر السجاد الإيراني وراعي البقر الأميركي لتحديد ثمن القطيع.
يشبه نعيم قاسم في موقعه اليوم ميشال عون عام 1990 في قصر بعبدا: كلاهما يرفع شعارات التحرير والسيادة فيما الواقع ينهار من حوله. لكن عون كان يمارس «البروباغندا السياسية» بأسلوبٍ غربي تعلّمه في فرنسا، أما قاسم فيمارس «البروباغندا العقائدية» التي تخرّج فيها من مدرسة الخامنئي، حيث يتحوّل الموت العبثي إلى «نصرٍ مقدّس» و«تضحيةٍ واجبة».
إنها النسخة الدينية من أساليب غوبلز، وزير دعاية هتلر، الذي قال يوماً: "اكذب حتى يصدقك الناس." والنظام الإيراني اليوم ليس إلا وريثاً مخلصاً لتلك المدرسة القديمة في تزييف الوعي.
كما تبيع شركات التبغ صورة السعادة والحرية بينما تزرع السرطان، يبيع الشيخ نعيم صورة البطولة والصمود بينما يزرع الخوف والانقسام. «المقاومة» تحوّلت إلى سلعةٍ تُسوَّق في زمن الانهيار: تمنح لحظةً من الشعور الزائف بالأمان والانتماء، لكنها تقتل الحس النقدي والمسؤولية المدنية.
الدخان واحد، وإن اختلفت الرائحة:
– دخان السجائر يقتل الجسد ببطء،
– ودخان الخطابات يميت الوعي ويسحق الأمل.
كلما ارتفع صوت قاسم في التهليل لـ«الانتصار الإلهي»، ازداد وضوح هزيمة الواقع. الحزب الذي هيمن على القرار اللبناني لعقود بات جسداً مُنهكاً ينزف شرعيته في الداخل، ويختنق بعزلته الإقليمية.
تصعيد لهجته ليس إعلان قوة، بل محاولة لتغطية التراجع الإيراني والانكسار الشعبي داخل البيئة الشيعية نفسها. إنه يسوّق لنصرٍ إعلامي بعد فقدان النصر العسكري، تماماً كما تسوّق شركات التبغ لسيجارة «خفيفة» بعد انكشاف خطر التدخين.
اليوم، كما في عالم بيرنيز، لم يعد السؤال: هل يصدّق الناس الدعاية؟
بل: كم من الوقت يحتاجون ليكتشفوا السرطان تحت الدخان؟ لقد انتهى زمن الشعارات الجميلة وبدأ زمن الحقيقة المرّة. فإما أن يتخلّى «حزب الله» عن سلاحه ويمنح لبنان فرصة للشفاء،
وإما أن يختنق بدخانه ويختنق معه الوطن، كما يختنق المدخن بسيجارته الأخيرة وهو يحرق عائلته وأهله وأحبته.