لا توجد علاقة جيوستراتيجية معقدة بين دولتين حول العالم كما هي الحال بين أميركا والصين. العملاقان الاقتصاديان يتنافسان في أكثر من ميدان وعلى صعد مختلفة، بيد أنهما لا يستطيعان الاستغناء، حتى اللحظة، عن شراكاتهما الحيوية لهما وللعالم أجمع. ما زالت واشنطن متفوّقة بشكل عام على بكين، إلّا أن الصين تهيمن على مجالي العناصر الأرضية النادرة وتصنيع السفن، وتؤثر في أزمات وملفات تعني أميركا، وتطمح إلى اغتنامها للفوز في السباق نحو الصدارة، وهي ليست في عجلة من أمرها لاحتلال المركز الأوّل، بينما تعمل الولايات المتحدة للحفاظ على تقدّمها بكلّ ما أوتيت من قوّة وحنكة، بالتعاون مع حلفائها وشركائها الدوليين، وباستثمار نفوذها الواسع لدفع مصالحها وتحقيقها. جمعت مدينة بوسان الكورية الجنوبية الخميس، الرئيسين ترامب وشي، اللذين اتفقا على تهدئة التوترات الثنائية ودوزنة علاقات بلديهما لمدّة عام قابلة للتجديد، لكن هذه "الهدنة الموَقتة" تبقى معرّضة للسقوط في أي لحظة حرجة.
لكلّ من أميركا والصين أوراق ضغط بين يديها تعمد إلى استغلالها واستخدامها على طاولة المفاوضات، ما يؤدّي في "مراحل الضرورة"، كأيّامنا الحالية، إلى تقديم تنازلات متبادلة تشكّل "انفراجة وقتية" في علاقاتهما، ريثما تتضارب مصالحهما الاستراتيجية مجدّدًا لدرجة الإطاحة بالتفاهمات القائمة. أثمرت "قمة بوسان" توافقًا على تجميد التدابير التجارية الانتقامية وخفض الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات الصينية من 57 إلى 47 في المئة، وتعليق إجراءات ضدّ قطاع الشحن وبناء السفن الصيني، فضلًا عن تلك المتعلّقة بالقيود على وصول الشركات الصينية إلى التكنولوجيا الأميركية، مقابل شراء بكين كميات هائلة من فول الصويا والسرغوم ومنتجات زراعية أميركية أخرى، ومواصلة الصين التدفق المفتوح والحرّ للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الهامة والمغناطيسات وغيرها، وتسهيل نقل ملكية تطبيق "تيك توك"، وفرض السلطات الصينية قيودًا صارمة على تجارة مادة الفنتانيل، العدوّ رقم واحد للشباب الأميركي، مع احتمال شراء بكين النفط والغاز من ولاية آلاسكا الأميركية.
لا يزال الغموض يلف الكثير من القضايا الشائكة بين البلدين، ما يبقي مخاطر حصول انتكاسة مفاجئة بينهما عالية. من غير المرجّح أن تكون الصين قد قدّمت تعهّدات لأميركا متصلة بوقف شراء النفط والغاز الروسيين، اللذين يموّلان آلة حرب الكرملين في أوكرانيا. ساهم الغزو الروسي لأوكرانيا في تعميق الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا، بما يصبّ أكثر في مصلحة بكين، التي تشتري الطاقة الروسية بكمّيات ضخمة وبسعر أقلّ من السوق، وهي تعتمد كثيرًا على هذه الواردات بحكم أنها من أكبر مستهلكي الطاقة عالميًا. تؤكد الصين علانية ضرورة وضع حرب أوكرانيا أوزارها، إلّا أن حراكها يبقى مرتبطًا بأجندتها ورؤيتها، وستعمل بما تقتضيه مصالحها العليا فحسب.
نفى ترامب أن يكون قد تطرّق إلى قضية تايوان خلال لقائه شي، فيما يُعتبر هذا الملف من المسائل الجيوسياسية الأكثر حساسية بين البلدين. تريد بكين انتزاع إعلان أميركي رسمي عن معارضة واشنطن لاستقلال تايوان وتقييدها مبيعات الأسلحة إلى الجزيرة المهدّدة دومًا بغزو صيني يهدف إلى ضمّها إلى البرّ الرئيسي. تكمن أهمية تايوان بالدور التكنولوجي الأساسي الذي تؤدّيه بسيطرتها على انتاج قسم كبير جدًا من أشباه الموصلات المتطوّرة عالميًا، الأمر الذي مكّنها من فرض نفسها لاعبًا محوريًا وحليفًا موثوقًا في نظر "العم سام"، طبعًا بالإضافة إلى اعتبارات أخرى. صحيح أن ترامب أعطى الضوء الأخضر لكي تجري الصين محادثات مع شركة "إنفيديا" الأميركية لشراء رقائقها الحاسوبية، إنما لن تسمح واشنطن ببيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتطوّرة "بلاكويل" من إنتاج "إنفيديا" للصين.
كان لافتًا إعلان ترامب قبل انطلاق لقائه مع شي، أنه أمر البنتاغون ببدء اختبار الأسلحة النووية على قدم المساواة مع برامج الاختبار التي تنفذها دول أخرى، علمًا أن أميركا لم تلجأ إلى التفجيرات النووية منذ عام 1992، لكن لم يتضح إن كان ترامب يقصد مثل تلك الاختبارات تحديدًا. وفي حال استأنفت واشنطن تفجير الرؤوس النووية، فإن بكين وموسكو وغيرهما ستحذو حذوها، في وقت كثفت فيه القوى النووية تجربة وسائلها الأكثر حداثة لنقل السلاح الذريّ، من الصواريخ والغوّاصات والقاذفات، أي ما يعرف بـ "الثالوث النووي"، ما شرّع الباب أصلًا لتسعير سباق تسلّح مرتبط بأسلحة الدمار الشامل. وهذه بالذات من القضايا العالقة بين الصين وأميركا، إذ تعتبر واشنطن أن النظام الشيوعي يجهد لتطوير قدراته النووية بطريقة فائقة السرعة. ولا نستطيع إغفال السلاح النووي الكوري الشمالي، الذي يتمسّك به نظام بيونغ يانغ المدعوم من بكين وموسكو، وهو من المعضلات الجوهرية التي حالت دون عقد لقاء بين ترامب وكيم خلال جولة الرئيس الأميركي الآسيوية.
تعتبر منطقة المحيطين الهندي والهادئ من ساحات النزاع الأخطر بين واشنطن وبكين. يُمكن لحادث واحد من العيار الثقيل، إن كان محسوبًا أو غير محسوب، في بحر الصين الشرقي أو بحر الصين الجنوبي أو حتى خارجهما، أن يجهض الزيارة المرتقبة لترامب إلى الصين في نيسان المقبل ويحبس أنفاس المعمورة. كما يُمكن لأي تصعيد دبلوماسي أو تجاري أن ينسف رحلة ترامب. تأمل الأسواق والشركات، باستثناء تلك المتخصّصة بالأسلحة، في أن يسود "هدوء بناء" طويل الأمد بين أميركا والصين، بيد أن أشدّ المتفائلين لن يتفاجأ إذا انهارت الصفقات المبرمة، فالصدام شبه محتّم بين قوّتين لا تتسع الكرة الأرضية لطموحاتهما ومشاريعهما العابرة للكواكب. يبقى الرهان على أن تفلح الدبلوماسية في ابتكار حلول خلّاقة توسّع الأرضية المشتركة قدر المستطاع، وتبعد شبح المواجهة والحروب لأطول فترة ممكنة.