الدكتور دريد بشرّاوي

حرية التعبير بين الخطاب الرسمي والنظام العام: مقاربة دستورية وحقوقية

6 دقائق للقراءة

يُثير تصريح رئيس الجمهورية في منتدى الإعلام العربي نقاشًا واسعًا حول حدود حرية التعبير في لبنان، بعدما أشار إلى أنّ "الشعبويات الكارثية تقوم على التطبيل والتضليل"، مذكّرً بأنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ربط ممارسة حرية التعبير باحترام النظام العام وحقوق الآخرين، وفقًا لما تنص عليه المادة 29 منه.

ويبدو من سياق الخطاب أن رئيس الجمهورية أراد أن يوجّه رسالة مفادها أن حرية التعبير ليست مطلقة، بل مقيدة بحدود النظام العام، في وقتٍ يعيش فيه اللبنانيون واحدة من أعمق أزماتهم السياسية والاجتماعية، وتتعاظم فيه الحاجة إلى كلمة حرة ومسؤولة.

ولا بدّ في هذا السياق من التأكيد أن احترام موقع رئاسة الجمهورية محفوظ، وكذلك شخص الرئيس، لما لهذا الموقع من رمزية دستورية ووطنية عليا. فالنقد هنا لا يُوجَّه إلى الأشخاص بل إلى المنظومة السياسية والسياسات العامة، في إطار النقاش الدستوري والحقوقي المشروع الذي يهدف إلى تعزيز دولة القانون والمؤسسات.

حرية التعبير ركيزة النظام الدستوري

لبنان، على الرغم من كل تعقيداته، كان يُقدَّم تاريخيًا بوصفه بلد الحريات في الشرق الأوسط. فحرية الرأي فيه ليست مجرّد خيار سياسي، بل حق دستوري أساسي كرّسته المادة السابعة من الدستور ومقدمة الدستور التي تُلزم الدولة باحترام المواثيق الدولية المتصلة بحقوق الإنسان، ولا سيّما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وقد أكّد المجلس الدستوري اللبناني في أكثر من مناسبة أن حماية الحريات العامة، وفي مقدمها حرية التعبير، تُعدّ شرطًا جوهريًا لقيام النظام الديمقراطي البرلماني الذي نص عليه الدستور.

مفهوم النظام العام بين الحماية والتقييد

صحيح أن المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تشير إلى أن ممارسة الحقوق والحريات تكون خاضعة للقيود التي يقرّها القانون بهدف احترام النظام العام، غير أنّ الخطر يكمن في استعمال هذا المفهوم الملتبس وغير المعرّف لا دستوريًا ولا قانونيًا كذريعة لتقييد حرية الرأي.

فـ "النظام العام" في الفكر القانوني ليس مفهومًا عقابيًا أو أداة لتكميم الأفواه، بل هو إطار قانوني يحفظ توازن المجتمع ويضمن ممارسة الحريات دون فوضى أو مساس بحقوق الغير.

أما حين يتحول إلى مفهوم مطّاط يُستعمل لتبرير القمع أو إسكات الأصوات المعارضة، فإنه يغدو نقيضًا لذاته ويقوّض أساس الشرعية الدستورية.

النظام العام الحقيقي يحمي الحقيقة لا يقمعها

ليس من المساس بالنظام العام أن يُقال إن الدولة عاجزة عن بسط سيادتها الكاملة، أو إن الميليشيا المسلّحة ما زالت تهيمن على القرار الوطني، أو إن أموال المودعين نُهبت ولم يُحاسَب أحد، أو إن قضية تفجير مرفأ بيروت ما زالت رهينة التجاذب السياسي. بل إن قول هذه الحقائق هو جوهر الدفاع عن النظام العام الحقيقي، القائم على سيادة القانون والمساءلة، لا على الصمت والخوف.

ففي دولة الحق، النقد البناء ليس خروجًا على النظام العام، بل هو أحد أدوات صيانته.

إن النظام العام لا يتعارض مع قول الحقيقة المرّة: أن الدولة عاجزة عن استرجاع أموال المودعين المنهوبة، وأنها تهاود ميليشيا مسلّحة وتحاورها. هذا القول لا يهدم النظام العام، بل يثبّته.

ولا يتناقض مع الإشارة إلى أن الدولة لم تلقِ القبض بعد على الضالعين في تفجير مرفأ بيروت، ولم تتمكّن من دخول بعض المخيّمات الفلسطينية أو توقيف القتلة والمجرمين، ومنهم قتلة الشاب إيليو أبو حنا.

كما لا يتعارض النظام العام مع قول الحقيقة بأن الدولة تغض النظر عن بعض الفاسدين والسارقين ومبيّضي الأموال، بل وتكرّمهم أحيانًا، في حين أن فضح الفساد يُعدّ دفاعًا عن العدالة ومكافحةً للجريمة.

النظام العام لا يتنافى أيضًا مع الإشارة إلى أن لبنان لم يفِ بعد بالتزاماته الدولية، لا سيّما تطبيق القرارات الدولية رقم 1559 و1680 و1701.

كذلك لا يتعارض النظام العام مع الإشارة إلى أن رئيس مجلس النواب يهيمن على مؤسسات الدولة كافة، في انتهاكٍ واضحٍ لمبدأ فصل السلطات الذي يُعدّ من ركائز النظام الدستوري اللبناني.

فالتنبيه إلى هذا الخلل لا يُعدّ مسًّا بالنظام العام، بل دفاعًا عن الدستور وعن انتظام عمل المؤسسات، ولا سيّما عن دور رئاسة الجمهورية والسلطة التنفيذية اللتين جرى تهميشهما خدمةً لمصالح الميليشيا.

إن السكوت عن هذا الواقع هو الذي يُقوّض النظام العام، فيما الجهر به هو دفاع عن الشرعية الدستورية وسيادة الدولة. ولا يتعارض النظام العام أيضًا مع انتقاد سياسة المحاصصة والترويكا التي عادت لتتحكّم بمفاصل الدولة، ولا مع إدانة التوقيفات الاعتباطية لبعض المواطنين في مطار بيروت بسبب آرائهم أو انتقادهم للسلطة العسكرية أو للرئيس السابق. فهذه الممارسات تخالف مبدأ الشرعية الإجرائية، إذ لا يحق للأجهزة العسكرية ملاحقة قضايا القدح والذمّ والافتراء، لأنها من اختصاص محكمة المطبوعات دون سواها.

المرجعية الدولية: حرية التعبير كشرط للديمقراطية

لقد حدّدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قرارها المرجعي Handyside c. Royaume-Uni (7 décembre 1976, série A n° 24) أن حرية التعبير لا تشمل فقط الآراء المقبولة أو المحايدة، بل تمتد أيضًا إلى تلك التي "تصدم أو تزعج أو تقلق الدولة أو أي فئة من السكان"، لأنها تمثل شرطًا أساسيًا في أي مجتمع ديمقراطي.

وفي قضية Lingens c. Autriche (1986)، اعتبرت المحكمة أن النقد الموجّه إلى الشخصيات السياسية يجب أن يُعامل بمرونة أوسع من النقد الموجّه إلى الأفراد العاديين، لأن حرية النقاش السياسي تمثل حجر الزاوية في النظام الديمقراطي.

هذه المبادئ، التي التزم بها لبنان بموجب انضمامه إلى المواثيق الدولية، تُلزم السلطات العامة باحترام أوسع هامش من حرية التعبير، لا بتضييقه.

بين الخطاب الرسمي وواقع الحريات

يبدو من الخطاب الرئاسي أن السلطة السياسية غير مرتاحة تمامًا للحرية الإعلامية والنقد العلني، وتسعى إلى تأطيرها ضمن مفاهيم أخلاقية أو نظامية فضفاضة.

لكن في المقابل، لا يمكن بناء نظام عام متين في ظل هيمنة السلاح غير الشرعي، وتغاضي الدولة عن الفساد، وتراجع الثقة بالقضاء.

فالنظام العام لا يُحمى بإسكات المواطنين، بل بإعادة الاعتبار لمبدأ الفصل بين السلطات، وتفعيل آليات المساءلة والمحاسبة، وتكريس استقلالية القضاء.

خاتمة: النظام العام في خدمة الحرية لا العكس

إنّ لبنان لا يُحكم بالتخويف أو بالاستبداد، بل بالحوار والحق والكرامة.

و"النظام العام" الذي يُستعمل لقمع الكلمة أو تكميم الصحافة ليس نظامًا عامًا بل هو انحراف عن روح الدستور.

أما النظام العام الحقيقي، فهو الذي يحمي سيادة القانون وكرامة الإنسان، ويصون حرية التعبير بوصفها الضمانة الأخيرة ضد الاستبداد.

فالدفاع عن حرية الرأي ليس تمردًا على الدولة، بل هو وفاء للدستور ووفاء للبنان الذي أراده مؤسّسوه وطنًا للحريات.

إن احترام موقع الرئاسة وشخص الرئيس ثابت ومصون، لكن احترام الدستور والحريات هو في حدّ ذاته أسمى أشكال الولاء للجمهورية.


أستاذ القانون الدولي الجنائي والقانون الجزائي الخاص في جامعة ستراسبورغ- فرنسا