تصدّر الرئيس الصيني شي جينبينغ المشهد أمس في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) المنعقدة في مدينة غيونغجو التاريخية في كوريا الجنوبية، حيث التقى رئيسي وزراء كندا مارك كارني واليابان ساناي تاكايتشي وغيرهما من الزعماء، بعد التوصل إلى هدنة تجارية موَقتة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي غاب عن القمة. وسعى شي إلى إظهار الصين في صورة البطل المتوقع للتجارة الحرّة والمفتوحة خلال المنتدى. وإذ رأى أنه "تتسارع في أنحاء العالم تغييرات غير مسبوقة منذ قرن من الزمن"، دعا إلى "حماية قواعد التجارة العالمية وتوطيد التعاون الاقتصادي"، معتبرًا أنه "كلما كانت البحار أكثر اضطرابًا، كلما زادت ضرورة أن نتكاتف".
وحذر شي من "تفكيك سلاسل التوريد"، وطرح مقترحًا من خمس نقاط لدعم اقتصاد عالمي "مفتوح"، بحيث حض على "بذل جهود مشتركة للحفاظ على نظام التجارة متعدّد الأطراف، وبناء بيئة اقتصادية إقليمية مفتوحة، والحفاظ على استقرار وسلاسة سلاسل الصناعة والإمداد، وتعزيز الرقمنة واعتماد تجارة مستدامة وصديقة للبيئة، فضلًا عن دفع التنمية الشاملة والمفيدة للجميع"، موضحًا أن مقترحه يهدف إلى "تعزيز عولمة اقتصادية شاملة، وبناء مجتمع لمنطقة آسيا - المحيط الهادئ".
وعقد شي أوّل محادثات له مع تاكايتشي، التي أوضحت أنه "أكدنا أننا سنعمل على تعزيز علاقة المنفعة المتبادلة القائمة على المصالح الاستراتيجية المشتركة وبناء علاقات يابانية - صينية بناءة ومستقرة"، مشيرة إلى أنه "رغم وجود قضايا ومخاوف مختلفة، من المهمّ تقليصها وتعزيز الفهم المتبادل والتعاون، وتحقيق نتائج ملموسة". وأوضحت أنها أثارت "قضايا تتعلّق ببحر الصين الشرقي، بما في ذلك جزر سينكاكو، وضوابط التصدير، مثل تلك المتعلّقة بالمعادن النادرة، والمخاوف في شأن احتجاز مواطنين يابانيين، وضرورة ضمان سلامة المواطنين اليابانيين المقيمين في الصين". كما التقى شي رئيس وزراء تايلاند أنوتين تشارنفيراكول، وذكرت الخارجية الصينية أن "الصين وتايلاند جارتان وصديقتان وقريبتان وشريكتان، وأن التبادلات المتكرّرة بين البلدين تعكس روابط وثيقة، كأنهما عائلة واحدة".
وأجرى شي أيضًا محادثات مع كارني، بحيث ذكرت الخارجية الصينية أنه "بفضل الجهود المشتركة من الجانبين، بدأت العلاقات بين الصين وكندا في التعافي والتحسّن، وهو ما يتماشى مع المصالح المشتركة للبلدين"، موضحة أنه "ستعمل الصين مع كندا لإعادة العلاقات الثنائية إلى المسار الصحيح نحو تنمية سليمة ومستقرّة ومستدامة في أقرب وقت ممكن، وتحقيق مزيد من الفوائد للشعبين". وكشف كارني أنه وشي ناقشا قضايا التجارة، بما في ذلك الزراعة ومنتجات الأغذية الزراعية، مثل الكانولا، وكذلك المأكولات البحرية والسيارات الكهربائية، مشيرًا إلى أنه قبل دعوة من شي لزيارة الصين "في وقت مناسب للطرفين". وأكد كارني خلال اجتماع لمديرين تنفيذيين عُقد بالتوازي مع القمة الرئيسية أن كندا تهدف إلى زيادة صادراتها لدول أخرى غير أميركا خلال العقد المقبل، في حين حسم ترامب أن أميركا وكندا لن تستأنفا المحادثات التجارية، بعد أسبوع من إلغائه المفاوضات بسبب إعلان بثه إقليم أونتاريو الكندي يُظهر الرئيس الجمهوري الأسبق رونالد ريغان وهو يشيد بالتجارة الحرّة.
في الغضون، أوضح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي مثل ترامب خلال قمة "أبيك"، أن "أميركا تعيد موازنة علاقاتها التجارية لبناء أساس أقوى للنمو العالمي، بما يضمن أن تعمل كل دولة وفق شروط عادلة ومتبادلة"، مشدّدًا على أن "نظامًا عالميًا أكثر توازنًا هو ذلك القائم على الشفافية، وإمكانية الوصول إلى الأسواق، والمنافسة العادلة، وكذلك الذي يدعم النمو" في كافة اقتصادات "أبيك". وصرّح بأنه "نتخذ خطوات حاسمة لتأمين وتنويع سلاسل الإمداد العالمية، بدءًا من المعادن النادرة والمغانط إلى أشباه الموصلات والطاقة، تستثمر أميركا مع شركائها التجاريين لبناء شبكات إنتاج مرنة تقلّل من الاعتماد على القطاعات الهشة، هذه الجهود تجعل سلاسل الإمداد أكثر أمانًا وموثوقية للجميع".
توازيًا، تحدّث وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث مع وزير الدفاع الصيني دونغ جون خلال قمة لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في ماليزيا في شأن الدفاع. وأبلغ هيغسيث دونغ بأن أميركا "ستدافع عن مصالحها بقوة" وستحافظ على توازن القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، معربًا عن قلقه في شأن الأنشطة الصينية في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه وحول تايوان وتجاه حلفاء أميركا في المنطقة، بينما أكد دونغ لهيغسيث ضرورة أن يرسي البلدان ثقة متبادلة من أجل التعايش المشترك، معتبرًا أنه يتعيّن على واشنطن أن تكون حذرة في أقوالها وأفعالها في شأن قضية تايوان وأن تتخذ موقفًا واضحًا وحازمًا يعارض استقلال تايوان.
والتقى هيغسيث أيضًا وزير الدفاع الهندي راجنات سينغ، مشيدًا بإطار تعاون دفاعي جديد مدته 10 سنوات وقعه مع سينغ، معتبرًا أنه "حجر الزاوية للاستقرار والردع في المنطقة"، و"خطوة مهمّة لجيشينا وخريطة طريق لتعاون أعمق وأكثر جدوى في المستقبل". واجتمع هيغسيث أيضًا بوزراء دفاع إندونيسيا وتايلاند وكامبوديا، في وقت تتطلّع فيه واشنطن إلى التصدّي لتنامي النفوذ الصيني في المنطقة.
في الأثناء، أكد ترامب أن بلاده ستستأنف التجارب النووية، لكنه لم يرد بشكل مباشر عندما سُئل عمّا إذا كان ذلك سيشمل التجارب النووية التقليدية تحت الأرض التي كانت شائعة خلال الحرب الباردة. وعندما سئل عن التجارب النووية تحت الأرض، أجاب: "ستعرفون ذلك قريبًا جدًا، لكننا سنجري بعض الاختبارات". وتابع: "الدول الأخرى تفعل ذلك. إذا كانوا سيفعلون ذلك، فسنفعلها نحن". من جهة أخرى، أوضح ترامب أنه لا يفكر في شن ضربات داخل فنزويلا، بعدما أفادت تقارير صحافية بأن إدارته اتخذت قرارًا بشن هجمات على منشآت عسكرية داخل فنزويلا في أي لحظة، فيما أفادت صحيفة "واشنطن بوست" بأن الرئيس الفنزويلي غير الشرعي نيكولاس مادورو، وجّه رسالة إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين هذا الشهر تضمّنت عدة طلبات، منها إصلاح أنظمة الرادار الدفاعية، وصيانة الطائرات العسكرية، وربّما توفير صواريخ، مشيرة إلى أن النظام في كاراكاس تواصل أيضًا مع الصين وإيران، طالبًا المساعدة والمعدّات العسكرية لتعزيز دفاعات البلاد.