محمد البابا

انزلات واستهدافات خلف خطوط القتال

اوكرانيا... من الدفاع الصلب الى الهجوم النشط

5 دقائق للقراءة

لم تعد الحرب في أوكرانيا مجرّد صراع جبهات أو تبادل مدفعي على أطراف المدن الشرقية، بل تحوّلت إلى معركة أدمغة وأجهزة استخبارات تتقدّم بخطواتٍ هادئة ومدروسة نحو تغيير قواعد الاشتباك. في الأسابيع الأخيرة، شهد الميدان تحوّلاً استراتيجياً نوعياً، مع انتقال القوات الأوكرانية من مرحلة الدفاع الصلب إلى الهجوم النشط المنسّق، مدعومةً بقدرات استخباراتية وهندسية غير مسبوقة.

تحولات جديدة ظهرت في عملية بوكروفسك، التي شكلت أول اختبار عملي لتكتيكات الإنزال الجوي خلف خطوط القتال، وفي العملية النوعية التي استهدفت صاروخ "أوريشنيك" الروسي داخل الأراضي الروسية، بعملية مشتركة بين جهازي الأمن الأوكراني والاستخبارات العسكرية.

في موازاة ذلك، فتحت كييف جبهة موازية في العمق الروسي عبر هجماتٍ مكثفة بطائراتٍ مسيّرة تستهدف المنشآت النفطية والبنى التحتية الاستراتيجية.

أما داخل مدينة بوكروفسك الواقعة شمال دونيتسك، فبدأت ملامح التغيير التكتيكي الأوكراني تتبلور. فبعد شهورٍ من القتال المتواصل ومحاولات روسية لفرض طوقٍ كامل على المدينة، قررت القيادة الأوكرانية قلب المعادلة الميدانية عبر عمليات إنزالٍ محدودة خلف خطوط القتال الروسية.

قيادة الأركان الأوكرانية تؤكد أن العملية الإنزال المفاجئة التي بدأت منتصف ليل الثلاثاء الماضي عندما تم نقل وحداتٍ من القوات الخاصة جواً عبر مروحيات إلى نقاط تمركز روسية شرقي المدينة، في تحرّك وُصف بأنه "الأكثر جرأة منذ معارك باخموت". وتهدف هذه العملية، وفق ما كشفه القائد العام أوليكساندر سيرسكي، كان اختراق منظومة السيطرة الروسية، وتفكيك مراكز الإمداد القتالي من الداخل.

في موازاة التصعيد الميداني، نفّذت كييف واحدة من أدقّ عملياتها الاستخباراتية داخل الأراضي الروسية منذ بداية الحرب. بحسب مصادر في جهاز الأمن الأوكراني، تمكّنت وحدات مشتركة من الاستخبارات العسكرية وجهاز الأمن الأوكراني من تنفيذ عملية دقيقة في ميدان الاختبارات الروسي "كابوستين يار" في مقاطعة أستراخان، أسفرت عن تدمير صاروخ روسي متطور من طراز "أوريشنيك" أثناء وجوده في موقع الاختبار.

الصاروخ يُعد جزءًا من منظومة تطوير روسية مخصصة لتجارب الدفع الفرط-صوتي وكان يخضع لتجارب متقدمة قبيل إدخاله الخدمة. الصاروخ تلروسي المهم، وفق المعلومات المسربة، يُعد جزءًا من منظومة تطوير روسية مخصصة لتجارب الدفع الفرط-صوتي (Hypersonic Propulsion) وكان يخضع لتجارب متقدمة قبيل إدخاله الخدمة. العملية – التي جرت بتنسيق إلكتروني وميداني معقد – استخدمت مسيّرات هجومية بعيدة المدى نُقلت على مراحل عبر الأراضي الحدودية، بعد أن جرى تهريبها في حاويات تجارية معدّلة.

أهمية العملية لا تكمن فقط في تدمير الصاروخ، بل في اختراق عمق الأراضي الروسية لمسافة تفوق 800 كيلومتر، وهو ما يُظهر مستوى غير مسبوق من جمع المعلومات الاستخباراتية والتنفيذ المشترك بين الأجهزة.

وقد نشرت وسائل اعلام أوكرانية أن العملية حملت بصمة أوكرانية خالصة من حيث التخطيط والدقة، واعتُبرت "صفعة للمنظومة التقنية الروسية" لأنها ضربت موقعاً يُعدّ ضمن أكثر المناطق تحصيناً في روسيا الاتحادية.

إلى جانب التطورات الميدانية، شهدت الأسابيع الأخيرة سلسلة تغييرات في القيادة العسكرية الأوكرانية، شملت استبدال قادة ألوية وإعادة توزيع قوات العمليات الخاصة ضمن هيكلٍ موحّد بإشراف مباشر من هيئة الأركان، ومتابعة مباشرة من الرئيس زيلينسكي الذي عقد اكثر من اجتماع مع وزارة الدفاع والجيش وأجهزة المخابرات والاستخبارات العسكرية اعطى خلالها زيلينسكي الاذن بشن ضربان مكثفة في الداخل الروسي.

وشهدت الأسابيع القليلة الماضية سلسلة عمليات نفذتها القوات المسلحة الأوكرانية بتكثيف هجماتها على العمق الروسي باستخدام أسرابٍ من المسيّرات بعيدة المدى وصلت بعضها لمسافة تجاوزت 1500 كلم، كما نُفّذ أكثر من 60 هجومًا موجهًا ضد منشآت نفطية ومستودعات طاقة حرارية ومصافي تكرير في مناطق أوريل، فلاديمير، وبلغورود، إضافةً إلى كراسنودار وأستراخان.

من ناحية أخرى

في المقابل، قامت موسكو خلال الأسبوعين الماضيين بسلسلة هجمات جوية كثيفة استهدفت البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، مركّزة على محطات توليد الكهرباء وخطوط النقل الرئيسية.

أكثر من 60 صاروخًا من طراز "كاليبر" و"كينجال" و"إسكندر" أُطلقت باتجاه مدن كييف، خاركيف، أوديسا ودنيبرو، ما أدّى إلى تدمير واسع في شبكة الطاقة وانقطاع التيار الكهربائي عن ملايين الأوكرانيين لساعات طويلة.

السلطات الأوكرانية أكدت أن هذه الهجمات تمثّل "ردًا انتقاميًا" على النجاحات الأوكرانية في العمق الروسي، لكنها في الواقع كشفت هشاشة الدفاعات الجوية الأوكرانية أمام الضربات المتزامنة، واضطرّت الحكومة إلى تشغيل أنظمة الطوارئ في معظم المقاطعات لتأمين الطاقة للمستشفيات ومرافق المياه.

يرى مراقبون أن أوكرانيا تحاول حاليًا إعادة رسم ملامح الحرب من خلال استراتيجية "الهجمات الموزّعة" على أكثر من جبهة، لتشتيت القوات الروسية واستنزافها ماديًا ومعنويًا.

وفي المقابل، تعتمد موسكو سياسة "العقاب الجماعي" عبر استهداف المدن والبنى التحتية المدنية، في محاولة للضغط على المجتمع الأوكراني من الداخل وإضعاف الجبهة الشعبية.

غير أن النتائج الميدانية تشير إلى أن كييف باتت أكثر تنظيمًا وقدرة على المبادرة، خصوصًا بعد الدعم التقني والاستخباراتي الغربي في مجالات الرصد والاتصال والمسيّرات الهجومية.

ما يجري اليوم هو تحوّل بنيوي في طبيعة الحرب الأوكرانية-الروسية. فبعد ثلاث سنوات من القتال المفتوح، باتت أوكرانيا تمتلك أدواتٍ قادرة على تغيير إيقاع المعركة، لا بالقوة النارية فقط، بل بالعقلية الاستخباراتية والتقنية التي تدير الميدان.

تدمير صاروخ “أوريشنيك”، الإنزالات في بوكروفسك، وضربات العمق النفطي الروسي ليست أحداثاً متفرقة، بل حلقات متصلة ضمن خطةٍ استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تفكيك القوة الروسية من الداخل.