شربل صيّاح

أكفُرُ بالدّولة اللّبنانية

4 دقائق للقراءة

ليس خروجًا من مواطنةٍ أو ولاءٍ للبلد بمعناه الجغرافي والتاريخي، بل هو رفضٌ لانتماءٍ لإدارةٍ مركزيةٍ هشّةٍ، غائبةٍ عن مهامها الأساسية، ومتواطئةٍ —بشكلٍ مؤسسي أو ضمني— مع قوىٍ مسلحةٍ تضاعف من ضعفها وتُقوّض أي إمكانية لبناء دولةٍ حديثةٍ ذات سيادةٍ حقيقية

الدولة التي يُفترض أن تكون مصدر الشرعية، تحوّلت إلى تابعٍ لشرعيةٍ موازيةٍ تحمل السلاح وتحتكر قرار الحرب والسلم. قيل لنا أنّ في المفهوم العلمي للدولة الحديثة، لا وجود لدولةٍ لا تحتكر العنف الشرعي، لأن السلاح خارج مؤسساتها يعني نهاية حدود المؤسسات وبداية العنف اللّامحدود.

في لبنان، أصبح السلاح قاعدةً والنقاش حوله استثناءً.

وأصبح الحزب المسلّح – حزب الله – هو الشريك الأقوى للدّولة المركزية التي تتغذّى من ضعفه كما يتغذّى هو من ضعفها، علاقةٌ طفيليةٌ متبادلة تُبقي الطرفين على قيد الحياة، وتمنع ولادة أي مشروعٍ وطنيٍّ حقيقي.

ما الذي تبقّى من الدولة؟

لا كهرباء، لا مياه، لا طبابة، لا ضمان، لا تعليم...

فلماذا يُطلب منّا أن نحافظ على انتماءٍ لهيكلٍ سياسيٍّ لا يملك لنفسه قراراً ولا يملك لنا مستقبلاً و لم يهدينا سوى انهيارًا؟

إنّ جوهر المأزق اللبناني ليس بين “الدولة المركزية” و”حزب الله”، بل بين من يريد دولةً وبين ما يُسمّى دولة. لأنّ هذه الدولة المركزية، في بنيتها وقرارها، ليست سوى امتدادٍ لوصايةٍ سياسيةٍ إيرانيةٍ تمارسها طهران و غيرها عبر ذراعها المسلّحة في بيروت. فحزب الله لا يعيش خارج الدولة، بل يعيش منها، ويستمد منها شرعيته وغطاءه المالي والإداري.

حين يُعيد الإعمار بعد حربٍ هو من أشعل فتيلها، يفعل ذلك بأموال الدولة، إمّا بأموال ضرائب الناس الذين لم يختاروا مغامراته الفاشلة ، إمّا بإستغلال علاقات الدّولة فتُصبح عالقة بين شفقة الخليج و سوء إدراك أوروبا و صبر الولايات المتّحدة الأميريكية .

وكلّ ذلك يتمّ تحت نظر دولةٍ عاجزةٍ أو متواطئةٍ أو مستفيدةٍ من استمرار اللعبة.

لقد تحوّل المواطن اللبناني إلى ممولٍ قسريٍّ لحروبٍ عبثيةٍ لم يقرّرها.

ضرائبه تموّل منظومةً تتغذّى من الخراب، وهويته تُستعمل ورقة تفاوضٍ في صراعاتٍ إقليميةٍ لا شأن له بها. الدولة المركزية لم تعد دولةً جامعة، و ربّما لم تكن يوماً ، بل مظلّةً مهترئة تُغطّي عورة الانقسام الوطني الطائفي، وتُخفي عجزها تحت شعارات السيادة و مقاومة العدوّ.

وحين انهار الاقتصاد، لم ينهَر في كلّ مكانٍ بنفس الشكل.

في مناطق نفوذ الدولة، شُلّت الدورة الإنتاجية، توقّفت الحركة الإقتصادية التابعة للدولة، وهاجر الشباب.

وفي مناطق النفوذ الميليشيوي، وُلدت اقتصاديات ظلٍّ قائمةٌ على التهريب، وعلى اقتصادٍ نقديٍّ موازٍ، وعلى علاقاتٍ ماليةٍ تمتدّ من بيروت إلى دمشق إلى طهران و فنزويلا و الله أعلم.

الدولة انهارت، لكن المنظومة لم تنهَر، لأنّها لم تكن يومًا جزءًا منها، بل كانت طفيلاً يعيش على دمها.

الحديث عن "إصلاح الدولة المركزية" أصبح جريمة بحقّنا نحن الشّباب .

لا يمكن إصلاح ما لا يريد أن يُصلح نفسه، ولا يمكن بناء دولةٍ حديثةٍ في ظلّ سلاحٍ فوقها، ودستورٍ مُعلَّقٍ على فوهة بندقية.

الدولة المركزية اللبنانية، كما هي، ليست دولةً تحتضن اختلافات مجتمعها، بل قفصٌ يحبس تعدديته ويحوّلها إلى تناحر.

والمجتمع التعددي، في تعريفه السياسي، لا يُدار بمركزيةٍ فاسدة، بل بتوزيعٍ عقلانيٍ للسلطة والموارد يضمن لكل جماعةٍ قدرتها على النهوض ضمن شرعيةٍ واحدة، لا ضمن سلطاتٍ متعددةٍ تتقاسم الأنقاض.

لعلّ الأجدر بنا اليوم ، أن نفكّر ، ليس كيف نُنقذ “الدولة المركزية”، بل كيف نُنقذ "المجتمع اللبناني" منها.

كيف نحمي الجماعات المنتجة، والمبادرات الحرة، والمناطق التي ما زالت تؤمن بالعمل لا بالسلاح، من السقوط في الفراغ ذاته.

علينا أن نخلق حركاتٍ اقتصاديةً حرةً، شرعيةً، شفافةً، تربط لبنان الحقيقي – لا لبنان الشعارات – بالعالم.

أنا لا أنتمي إلى الدولة اللبنانية لأنني أطمح إلى دولةٍ أفضل منها.

إلى دولةٍ لا تستعير سيادتها من الخارج، ولا تُقايض ولاء المواطن بولاءٍ آخر.

أنا أنتمي إلى الفكرة التي لم تُخلق بعد، إلى الدولة اللامركزيّة التي لم تولد بعد، إلى لبنان الممكن لا إلى لبنان الممسوخ.

أنتمي إلى ما يجب أن يكون، لا إلى ما لم يعد يستحق أن يكون.