أورور كرم

إيران... من "إسقاط أميركا" إلى "بقاء النظام"

5 دقائق للقراءة
بزشكيان خلال زيارته مقرّ منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أمس (رويترز)

في الشرق الأوسط، حيث السياسة تدار بالرموز لا بالتصريحات، تقف إيران اليوم على خيط رفيع بين صورتين متناقضتين: صورة الدولة التي تتحدّى الأميركيين والغرب وتفاخر بقدرتها على التفاوض من موقع القوّة، وصورة النظام الذي يسعى خلف الكواليس إلى فك الحصار الاقتصادي وتخفيف كلفة العزلة. المفارقة الإيرانية القديمة، أي الجمع بين الخطاب الثوري والسلوك البراغماتي، تعود اليوم إلى الواجهة مع تجدّد الحديث عن تلقي طهران رسالة من واشنطن لاستئناف المفاوضات النووية، وذلك في الوقت الذي دعت فيه سلطنة عُمان، التي استضافت جولات عدة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، للعودة إلى طاولة الحوار.

بينما تتصرّف القيادة الإيرانية وكأنها تملك زمام المبادرة، تكشف الوقائع أن الحاجة إلى التفاوض باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى. فالعقوبات الأميركية والأممية ما زالت تخنق الاقتصاد، ومعدّلات التضخم تتصاعد وبلغت نحو 40 في المئة، والريال الإيراني يواصل انهياره وخسر في السنوات الأخيرة أكثر من 97 في المئة من قيمته، في حين تتراجع القدرة الشرائية للمواطن إلى مستويات غير مسبوقة. أمام هذا المشهد، يبدو أن طهران تحاول إدارة أزمتها بخطاب مزدوج: صلابة في العلن، ومساومة في السرّ.

تأكيد المتحدّثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني أن بلادها تلقت رسالة لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، جاء ليضفي بعدًا رسميًا على ما كان يُتداول في الكواليس. فالمسؤولون الإيرانيون يتحدّثون منذ أسابيع عن "انفتاح مشروط" على الحوار مع واشنطن، لكن من دون تحديد هذه الشروط بوضوح.

في المقابل، لا يبدو أن الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب مستعدّة لتقديم أي تنازلات، إذ إن الرئيس الأميركي لا يفوّت فرصة إلّا ويذكّر بموقفه الصارم من البرنامج النووي الإيراني، محذرًا من استئناف التخصيب، ومشدّدًا على مبدأ "صفر تخصيب"، أي منع طهران من أي مستوى من تخصيب اليورانيوم.

ورغم هذه الرسائل الواضحة، يصرّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على الظهور بمظهر المتحدّي وآخر هذا التحدّي ظهر خلال زيارته مقرّ منظمة الطاقة الذرية الإيرانية في طهران الأحد. فبزشكيان أعلن أن بلاده ستعيد بناء منشآتها النووية بقوّة أكبر، مؤكدًا أن المعرفة حاضرة في عقول العلماء الإيرانيين، في ما بدا ردًّا رمزيًا على الضغوط الغربية. لكنه سارع إلى تلطيف رسالته بالتأكيد أن إيران لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأن هدفها من تطوير الصناعة النووية هو خدمة الشعب وتحسين الرفاه الوطني.

غير أن هذه التصريحات تبدو متناقضة مع ما توثقه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، باعتبار أن نسبة تخصيب اليورانيوم في إيران بلغت 60 في المئة، وهي نسبة تضع البلاد على مسافة تقنية قصيرة من إنتاج القنبلة النووية. ولعلّ ما يزيد الشكوك هو ما كشفته صور الأقمار الاصطناعية بين أواخر حزيران وأواخر أيلول من نشاط مكثف في موقع ضخم تحت الأرض قرب نطنز، حيث تجري أعمال حفر وبناء يُعتقد أنّها تهدف إلى نقل عمليات التخصيب الحساسة إلى مناطق أكثر تحصينًا داخل الجبال، ما يجعل استهدافها عسكريًا شبه مستحيل.

في الواقع، بعد حرب الأيام الـ 12 الأخيرة، بدا أن طهران فقدت جزءًا من قدرتها على المناورة الإقليمية. فالتوازنات تغيّرت، وسرديات دعم القضية الفلسطينية سقطت وحلفاؤها في المنطقة يتجنبون التصعيد أو حتى باتوا غير قادرين على المواجهة، فيما الضغط الداخلي يتزايد بفعل تراجع الاقتصاد وتسجيل احتجاجات متقطّعة تُذكّر النظام بمدى هشاشة الوضع الداخلي. في هذه اللحظة، تحاول القيادة الإيرانية أن توازن بين حاجتها إلى فتح نافذة تفاوضية تخفف من وطأة العقوبات، وبين رغبتها في الحفاظ على خطاب التحدّي، الذي يشكّل جوهر هويتها السياسية منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.

وهنا، تبرز المفارقة التي تختصر المشهد الإيراني الراهن. فإذا كانت طهران تسعى إلى إظهار نفسها أمام شعبها والمجتمع الدولي كقوة قادرة على التفاوض بندّية مع واشنطن، فإنّ ما يجري في الكواليس يكشف وجهًا آخر: نظامًا يدرك حدود قوّته، ويحاول عبر المساومات والرموز أن يخفف من كلفة العزلة والعقوبات من دون أن يبدو متراجعًا أمام الداخل. في العلن، ترفع إيران شعار "الكرامة والسيادة"، وفي الباطن، تدير لعبة دقيقة من التنازلات المحسوبة، حيث لا مكان للمغامرات، ولا مجال للانكسار. إنها سياسة الحافة: الاقتراب من النار من دون الوقوع فيها، والمضي في سباق طويل عنوانه الحقيقي ليس "الصمود"، بل "البقاء".

في الختام، ولعلّ الأبرز في المشهد ليس السردية الرسمية التي تأتي متناقضة في بعض الأحيان، بل النقاش العميق الذي يطلقه العالمون والباحثون والمحلّلون وحتى المتحرّرون في الداخل الإيراني، ألا وهو أن النظام الإيراني يستنسخ سرديات أحمد سعيد ومحمد سعيد الصحاف ويصدح بالمقاومة والصمود، إلّا أن الواقع هو أن النظام انتهى مع اغتيال السيد حسن نصرالله، أو مع دخول ترامب على ملف غزة أو عندما حلّقت قاذفات "بي 2" فوق سماء "بلاد فارس"… والأيام المقبلة تحمل الكثير من المفاجآت.