ميشال معيكي

افتتاح "المتحف المصريّ الكبير"

توت عنخ آمون إن أدلى!

5 دقائق للقراءة

على مشارف الجيزة، برعاية "الهرم الأكبر"، اجتمع رؤساء العالم يتقدّمهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لافتتاح "المتحف المصري الكبير" الذي ينبسط على مساحة شاسعة، وتضمّ أجنحته آلاف القطع الأثرية النادرة من المراحل الفرعونية الثرية بالتماثيل والنقوش والحلى والوثائق.

هذه المقتنيات تعود لعصور مختلفة، لعلّ أهمّها مقتنيات الفرعون توت عنخ آمون، التي تعرض كاملة لأوّل مرّة عبر تقنية الإضاءة الرقمية ووسائل ثلاثية الأبعاد (3D).

يُعتبر هذا المتحف من أكبر الإنشاءات الثقافية في العالم الحديث، فيجمع العلم مع التاريخ والفن بالهندسة، والأيمان بالمعرفة...

يُحدّد العلماء تاريخ نشوء الحضارة الفرعونية بخمسة آلاف سنة من المراكمة في البحث عن معاني الوجود، ويقسّمونها تاريخيًّا على مراحل فكرية - سياسية - فنية.

العصر العتيق (3100 - 2686 ق.م):

حيث جرى توحيد مصر العليا والسفلى زمن الفرعون نارمر الذي أسّس أول دولة مركزية في تاريخ البشرية! يومها ظهرت الكتابة الهيروغليفية، وبدأت مفاهيم السلطة الإلهية في الفرعون الذي يجمع الأرض بالسماء.

عصر الدولة القديمة (2686 - 2181 ق.م):

يُعتبر عصر بناء الأهرامات الكبرى، وانطلاقة الهندسة الخالدة. يومها شُيّدت أهرامات سقارة، وهرم خوفو في الجيزة. ترافقت تلك الفترة مع المفهوم الفلسفي لفكرة الخلود والعدالة الكونيّة، وجسّدتها إلهة الحق والنظام "ماعت" لمفهوم الروح بعد الموت.

عصر الدولة الوسطى (2055 - 1650 ق.م):

في هذه المرحلة، تميّزت مصر الفرعونية بالازدهار الأدبي والفكري، وطلعت كتابات الحكمة وحكايات الترميز التي تعكس حاجة البحث عن العدالة والمعنى، حول حوار الإنسان مع روحه و"نشيد النيل". عصر نضوج فكري - فلسفي ودلالات أخلاقية روحانية، وكأنه تمهيد لمدلولات الديانات اللّاحقة!

عصر الدولة الحديثة (1550 - 1070 ق.م):

هو ذروة الأمجاد الفرعونية. زمن رمسيس الثاني وتحوتمس الثالث وأمنحوتيب. ولعلّ ما يميّز ذلك العصر ظهور توت عنخ آمون...

الإضافة الكبرى: تجربة إخناتون الذي جاء بفكرة العبادة للإله الواحد. نظرية فلسفية كبرى - في حينه - للتوحيد الديني في تاريخ البشرية!

ثم جاء العصر المتأخر، مع بدايات انفتاح مصر وتلاقح معتقداتها بالثقافات اليونانية والرومانية، مع المحافظة على إيمانات البعث والخلود.

عن "ماذا بعد الموت؟"، أسّست الحضارة الفرعونية - على مراحلها - نظامًا فلسفيًّا متكاملًا. آمن المصريّون القدامى بأنّ الإنسان يتكوّن من عناصر عدة: الجسد، الروح والقلب. وتنفصل بعد الموت، لمواجهة الحساب أمام الإله أوزيوريس. هذه الفكرة اقتبستها لاحقًا المسيحيّة والإسلام، في ما يسمّى "يوم الدينونة" و "يوم الحشر".

بلغت العبقريّة الهندسيّة زمن الفراعنة مستوى عاليًا من المعرفة. ما زالت أسرارًا مُحيِّرة لعلماء اليوم. فبأيّ وسائل بدائية استطاعوا بناء الهرم الأكبر بارتفاع 146 مترًا وبِدقة هندسية متناهية؟!

يقول علماء اليوم إن المصريّين القدامى استخدموا حساب الزوايا الفلكيّة، تبعًا لحركة النجوم والمواسم، ما يجعل كلّ بناء، آلة فلكيّة وزمنيّة في آن. حصل قبل اختراع الساعات والمعدات الحديثة بآلاف السنين!

في الطب، أجرى المصريّون أوائل العمليّات الجراحيّة والتحاليل الدقيقة، فقد اكتشف علماء الآثار البريطانيّون في حفريّات وادي النيل، رقائق تشرح وصفًا لأمراض القلب والمعدة والعظام، وطرق علاجها بالجراحات وضمادات الأعشاب. ولعلّ أهم الإنجازات العلميّة، اكتشاف التحنيط. فمومياءات الفراعنة وسواهم لا تزال حتى اليوم محفوظة ومعروضة في المتحف المصري، منذ 3000 سنة.

لم يكن الهدف ماديًّا، بل فلسفيًّا. ففي المعتقدات، أن الجسد لا ينبغي أن يتحلّل ويصير ترابًا، بل ينبغي أن يبقى سليمًا - طاهرًا ليستقبل الروح من جديد في العالم الآخر. بالمحصّلة، التحنيط ليس إنجازًا طبيًّا فقط بل هو فن علميّ مقدَّس...

قيل الكثير عن الفرعون توت عنخ آمون، والذي عُرضت مقتنياته في المتحف المصري الحديث المفتتح قبل أيام. هذا الملك المولود في القرن الرابع عشر ق.م. والذي تولّى الحكم في التاسعة ومات شابًا، قُتل في ظروف غامضة... اكتشف مقبرتَه عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر سنة 1922 في وادي الملوك. في المقبرة وجد كرسي العرش، القناع الذهبي، العربات، الأسلحة، أدوات الطعام وكلّ ما يرافق الملك إلى العالم العلويّ - الآخر.

فهم المصريّ القديم أن الإنسان صورة مصغرة عن الكون، وأن الخلود ترف روحي وواجب أخلاقي. جاء في النصوص القديمة المكتشفة: "لن أفعلَ الشر لن أظلم الضعيف. لن أرفع صوتي في حضرة العدالة".

افتتاح "المتحف المصريّ الكبير"، إعادة استحضار لمكانة مصر العريقة في التاريخ البشري وكجسر يحتضن قدرة الإنسان على التطوّر الخلّاق. كما يشكّل دعوة لإدراك أن الحضارة لا تبنى فقط بالاقتصاد والسياسة، بل بالعقل والذاكرة والروح. في أروقة المتحف الجديد، يُسمع نداءٌ: "أنا الحضارة التي لم تمت، لأنني آمنت بالخلود!".