نبيل يوسف

شاكر أبو سليمان ودوره في محاولة رصّ الصف المسيحي (الجزء الثاني)

8 دقائق للقراءة

لعب المحامي شاكر أبو سليمان دورًا محوريًا خلال سنوات الحرب، في تقريب وجهات النظر وإيجاد الحلول، لا سيما عندما كانت تشتد الخلافات بين الأفرقاء المسيحيين، وكان له دور هام عندما اشتدت الأزمة بين أفرقاء الصف الواحد في الشمال المسيحي عام 1978. لكن كل تلك الاتصالات لم تنفع، واغتيل جود البايع يوم الأربعاء 7 حزيران في مكتبه في بنك البحر المتوسط في شكا. فماذا قال أبو سليمان عن تلك الحادثة؟

يقول: هزني نبأ اغتيال جود البايع وأدركت أن أيامًا سوداء بانتظارنا ورحت أسال نفسي: لماذا جود البايع،  وهو الاسم الجامع والشخصية المحببة من الجميع؟ هل كان الهدف من قتله قطع كل الخيوط في الشمال؟ كان جود البايع مشاركًا في اجتماعات بكركي ويحظى بمحبة الزغرتاويين، الذي على الرغم من كتائبيته كان يعرف دقة الأوضاع الداخلية والمحلية في منطقته وتقاليدها، ويعرف كيف يجنبها أي خضات.

يضيف: عرفت بالاغتيال من الشيخ أمين الجميل وكان ذاك النهار، هو اليوم المحدد لاجتماع اللجنة، فاتصل بي ليبلغني أن حزب "الكتائب" في حلّ من هذه اللجنة بسبب اغتيال جود البايع.

على الفور اتصلت بالنائب طوني فرنجية، فأفادني بأن لا علم له بالأمر على الإطلاق وأقسم لي بذلك. وأضاف أنه يعتبر اغتيال جود البايع إهانة شخصية له، خصوصًا بعد اجتماع بكركي، واقترح حلاً للمشكلة التي بدأت تتأزم، يقضي بذهابه برفقة الشيخ بيار الجميل للتعزية بجود البايع والشاب الزغرتاوي من آل فرنجية الذي قتل في شركة الإترنيت، وأبدى استعداده لملاقاة الشيخ بيار الجميل أين يشاء في الصيفي أو البترون أو النقاش ومرافقته في سيارته.

أجبته أن هناك وقتًا لقضية التعزية، لنعمل الآن على وقف أي ردة فعل، فردّ أنه لا يغطي أي مشارك في قتل البايع ويضع كل إمكاناته بتصرفي وهو حاضر لأي شيء يطلب منه.

كان يومها موعد جلسة مجلس الوزراء، فسارع المحامي شاكر أبو سليمان والشيخ قبلان عيسى الخوري إلى قصر بعبدا للقاء الرئيس سركيس قبل موعد الجلسة.

بحسب ما أخبر المحامي أبو سليمان والشيخ قبلان عيسى الخوري كان الرئيس سركيس في مزاج سيئ للغاية، معتبرًا اغتيال جود البايع رسالة أبعد من ثأر عائلي، ومتخوفًا مما تخفيه الأيام القادمة.

بناء للمباحثات مع الرئيس سركيس، أعلن وزير الداخلية صلاح سلمان بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء، أن الحكومة تأمل أن يتم تسليم القتلة، أو تسهيل عملية القبض عليهم.

من قصر بعبدا، توجه المحامي شاكر أبو سليمان والشيخ قبلان عيسى الخوري إلى بكركي للقاء البطريرك خريش، الذي كان مجتمعًا بالنائب رينيه معوض، ثم انضم إليهم المطرانان نصرالله صفير ورولان أبو جوده والمهندس مارون الحلو، موفدًا من الرئيس شمعون، صدر على أثره بيان عن بكركي ناشد فيه الجميع ضبط النفس، مطالبًا الدولة بحزم أمرها فورًا.

بعد اجتماع بكركي، توجه الشيخ قبلان عيسى الخوري وشاكر أبو سليمان إلى البيت المركزي الكتائبي والتقيا الشيخ بيار الجميل وبعض أعضاء القيادة الكتائبية، ثم وصل الرئيس كميل شمعون واختلى بالشيخ بيار الجميل، خرج بعدها الرئيس شمعون ليعلن أن مساعي التهدئة مستمرة، طالبًا من الجميع الهدوء.

كما زار البيت المركزي الكتائبي قائد "قوات الردع العربية" سامي الخطيب وتباحث مع الشيخ بيار الجميل والقيادة الكتائبية في التدابير التي بدأت قوات الردع تنفيذها في شكا لضبط الوضع الأمني.

من الصيفي انتقل الرئيس شمعون يرافقه الشيخ قبلان عيسى الخوري وشاكر أبو سليمان إلى مقر الرئيس فرنجية في النقاش، والتقوه بحضور عدد من قيادات زغرتا، ثم وصل الأباتي شربل قسيس، خرج بعدها الرئيس شمعون ليعلن أن لدى الرئيس فرنجية كل الاستعداد لتهدئة الأجواء، ووضع حد لكل الحوادث المؤسفة.

أضاف: "ستتم إحالة هذه الجريمة بكاملها إلى التحقيق العدلي، وكل شخص يطلب بموجب مذكرة عدلية سيسلم للقضاء، وفوضني الرئيس فرنجية في كل شيء أقرره".

ظهرًا، عقد اجتماع في مقر الرئيس فرنجية في النقاش شارك فيه زعماء زغرتا: النواب رينيه معوض، الأب سمعان الدويهي، طوني فرنجية، سليم بك كرم والشيخ سيمون بولس. وأصدروا بيانًا استنكروا فيه أشد الاستنكار الجريمة التي حصلت، مبدين أسفهم لاستشهاد جود البايع، ودعوا الجميع إلى ضبط النفس، وطالبوا بأن تتابع الهيئة المنبثقة من اجتماع بكركي مساعيها لإشاعة الهدوء.

مساءً، وقبل مغادرة كل منهما إلى منزله، قال أبو سليمان لقبلان عيسى الخوري: "الوضع سيئ جدًا وأنا شبه يائس وخائف من الأيام القادمة". رد الأخير: "ضع محضرًا بما جرى اليوم للتاريخ، "والله يسترنا من الآتي".

صباح اليوم التالي، استمرت مساعي التهدئة، فعقد اجتماع في بكركي ترأسه البطريرك خريش، حضره عدد من الأساقفة والأباتي شربل قسيس والرئيس شارل حلو والشيخ قبلان عيسى الخوري والمحامي شاكر أبو سليمان، والشيخ سيمون بولس، والشيخ بطرس الخوري، وموسى برنس ومارون الحلو موفدين من الرئيس شمعون وأبو أرز.

خلال الاجتماع أجرى البطريرك خريش اتصالًا بالرئيس فرنجية وبيار الجميل، طالبًا العمل على التهدئة ومتمنيًا على الشيخ بيار صرف النظر حاليًا عن الجناز الضخم الذي قرر حزب "الكتائب" إقامته للشهيد، على أن يقام له جناز في أقرب وقت يشارك فيه شخصيًا ويكون تتويجًا للمصالحة الشمالية.

صباحًا، زار الرئيس كميل شمعون مجددًا الرئيس سليمان فرنجية في النقاش، وخرج بعدها ليؤكد أن زعماء زغرتا مستعدون لتسليم المشاركين في جريمة اغتيال جود البايع، طالبًا الهدوء قليلًا، ثم ترأس اجتماعًا في المقر المركزي لحزب "الأحرار" في السوديكو شارك فيه الأباتي شربل قسيس والنواب: رينيه معوض وبطرس حرب والأب سمعان الدويهي وجبران طوق والسادة: سليم كرم وسيمون بولس وقبلان عيسى الخوري وشاكر أبو سليمان وبطرس الخوري ورشيد الخازن، خصص لبحث السبل الكفيلة بتهدئة الوضع.

بعد الاجتماع زار الرئيس شمعون يرافقه قبلان عيسى الخوري وشاكر أبو سليمان وسليم كرم وسيمون بولس البيت المركزي الكتائبي والتقوا الشيخ بيار الجميل بحضور عدد من أعضاء القيادة الكتائبية.

بعد خروجه من البيت المركزي الكتائبي، أعلن سليم بك كرم أن هدف زيارته مع الشيخ سيمون بولس تقديم واجب التعزية بجود البايع وتهدئة الخواطر، معددًا صفات المغدور، وأوضح أن البحث تناول السبل الآيلة لوقف كل ما يجري، على أمل أن نصل إلى نتيجة فعالة لإعادة الوحدة بين العائلة اللبنانية.

بعد لقاء الصيفي أعلن الرئيس شمعون أن زعماء زغرتا يعتبرون خسارة جود البايع أصابتهم كما أصابت حزب "الكتائب"، ومستعدون لتسليم جميع المشاركين في جريمة الاغتيال، كما أنهم مستعدون لملاقاة الشيخ بيار الجميل والمشاركة في الجناز.

أضاف أن القيادة الكتائبية نزلت عند رغبة الرئيس سركيس والبطريرك خريش وسعاة الخير، وقررت تقديم موعد جنازة الشهيد جود البايع، على أن يقام لاحقًا جناز رسمي للفقيد، تشارك فيه قيادات الجبهة اللبنانية، يكون بمثابة مصالحة كبرى في الشمال، وحذر من الإشاعات لأنها أحيانًا تكون مدبرة ومغلوطة.

وكان وصل إلى الصيفي وفد بشراوي ضم النواب حبيب كيروز وجبران طوق وطارق حبشي والشيخ ندره عيسى الخوري والشيخ رفول الفخري والدكتور جورج جعجع.

بعد خروجهم، أعلن النائب جبران طوق أنهم حضروا لتقديم واجب التعزية والسعي لضبط النفس وتخفيف الاحتقان وحقن الدماء وتقريب وجهات النظر، وعاد وزار الوفد البشراوي الرئيس سليمان فرنجية في النقاش.

خلال النهار، أصدر المؤتمر الدائم لرؤساء الرهبانيات اللبنانية نداءً مؤثرًا إلى جميع أبناء الشمال، ناشدهم فيه التعالي على الجراح مهما كانت عميقة في سبيل الوطن الذي ترخص أمامه التضحيات، ودعا إلى التهدئة ورباطة الجأش تاركًا العدالة تأخذ مجراها، على أن تعود المحبة والوئام بين الأهل والأخوة.

بعد ظهر الخميس 8 حزيران، تم دفن جود البايع في بلدته كفردلاقوس، واستمرت مساعي التهدئة، ورافقها مسعى آخر لإعادة العمل إلى شركات شكا، وعقد قبل ظهر السبت 10 حزيران اجتماع في قصر بعبدا، ترأسه الرئيس الياس سركيس شارك فيه: الرئيس سليم الحص، وزير الداخلية صلاح سلمان، وزير الصناعة والنفط ميشال ضومط، قائد الجيش فيكتور خوري، قائد قوات الردع العربية سامي الخطيب، مدير عام قوى الأمن الداخلي أحمد الحاج، مدير عام الأمن العام فاروق أبي اللمع، مدير مخابرات الجيش جوني عبدو، النائب أمين الجميل، دوري شمعون، الشيخ بطرس الخوري، الشيخ قبلان عيسى الخوري، شاكر أبو سليمان ونائبا البترون جورج سعاده وبطرس حرب وعدد من ضباط الجيش وقوى الأمن الداخلي، خرج بعده وزير الداخلية ليعلن أنه تقرر تنفيذ خطة أمنية تشمل الشركات في شكا يمنع بموجبها حمل السلاح في حرم الشركات وقربها... لكن أخذت الأحداث منحًى مأسويًا، فكانت فاجعة 13 حزيران 1978. رغم هول ما حصل استمر المحامي شاكر أبو سليمان في مساعيه الإنقاذية.