في زحمة الخراب الذي يغمر المشهد في الشرق الأوسط، تطلّ الصحافية والكاتبة الفرنسية - الإيرانية دلفين مينوي (Delphine Minoui) بصوتٍ يجمع بين الصرامة الصحافيّة ورهافة الحسّ الإنساني. هي ابنة باريس، من أمّ فرنسية ووالد إيرانيّ، وقد شاءت الحياة أن تحمل مينوي في تكوينها الجغرافي والوجداني هذا التوازن الدقيق بين الشرق والغرب. من هذه الازدواجية وُلدت رؤيتها للعالم، ومن هذا العبور الثقافي المتواصل صاغت لغتها الخاصة، لغة الجسر لا الجدار، ولغة الإصغاء لا الحكم.
شاركت دلفين مينوي أخيرًا ضمن فعاليات "بيروت كُتب" (Beyrouth Livres) في لبنان، حيث ألقت محاضرات وشاركت في ندوات فكرية وثقافية متنوّعة. زيارتها لم تكن مجرّد عودة إلى بلدٍ عرفته وأحبّته أثناء إقامتها فيه بين عامَي 2007 و 2012، بل أشبه بعودة إلى ذاكرة شخصية وجماعية. ففي بيروت، المدينة التي احتضنتها يوم اضطرت إلى مغادرة إيران تحت وطأة التهديدات، أنجبت ابنتها سمرّا، وكتبت فصولًا من حياتها المهنية والإنسانية الأكثر غنى وعمقًا. في لقاء معها عبر "نداء الوطن" نلج إلى مسيرتها كصحافية ميدانية وكاتبة، وقد ترجمت لها دار "نوفل - هاشيت أنطوان" روايتها "أبجدية الصمت".
بداية البحث عن الذات
وُلدت دلفين مينوي في باريس، من أب إيرانيّ شيعيّ وأمّ فرنسية مسيحية. هذه الازدواجية الثقافية التي تبدو للبعض ترفًا فكريًا، شكّلت لديها جرحًا جميلًا وبوصلة داخلية لا تهدأ. فهي لا تنتمي بالكامل إلى ضفةٍ دون أخرى، بل تتنقل بينهما لتبني جسرًا من الفهم والتعاطف. تقول في أكثر من مناسبة إن هذه الخلفية المزدوجة علّمتها ألا تنظر إلى العالم بعينٍ واحدة، بل أن تُبقي عينَيها مفتوحتَين على التناقض، على الرمادي الذي يسكن بين الأبيض والأسود. إنها صحافية تبحث عن المعاني الدفينة، عن الإنسانية التي تختبئ خلف الخبر.
الموت كان نقطة التحوّل الكبرى في حياتها. فوفاة جدّها الإيراني، دفعتها في العام 1997 إلى شدّ الرحال نحو طهران، بحثًا عن نصفها الضائع. كان من المفترض أن تكون زيارة قصيرة لا تتجاوز عشرة أيام، غير أنها امتدّت إلى عشر سنوات غيّرت حياتها جذريًا.
في إيران، اكتشفت مينوي بلدًا يعيش على إيقاع الرقابة والرمز، لكنه أيضًا بلد الشِعر والصمت الجميل والمقاومة اليوميّة. هناك، صارت الشابة الفرنسية - الإيرانية شاهدة على مجتمع يتنفس بصعوبة، وامرأة تكتشف ذاتها بين الخوف والحريّة.
مراسلة حرب
من طهران إلى بغداد وبيروت، عاشت دلفين مينوي المهنة في أكثر ظروفها قسوة. كانت مراسلة لجريدة "Le Figaro" الفرنسية، وغطّت نزاعاتٍ كثيرة في الشرق الأوسط. رأت المدن تتهاوى، والوجوه تُمحى، والناس يتحوّلون إلى أرقام في نشرات الأخبار. لكنها، بخلاف كثيرين، رفضت أن تنقل الصورة المجرَّدة، كانت تبحث عن الحكاية الصغيرة داخل المأساة الكبرى، عن الإنسان وسط الركام. تقول إن الصحافي لا يمكنه أن يكون آلةً صمّاء، فبين الحياد واللامبالاة مسافة شاسعة. إن الحفاظ على الإنسانية، بالنسبة إليها، لا يعني التخلّي عن المهنية، بل الانحياز إلى الحق في الفهم، إلى رواية الحقيقة من دون تجميل أو اختزال. ومن بين الدمار، تلتقط دائمًا ما تسمّيه "لحظات النور"، أمّ تُعلِّم أبناءها وسط المخيّم، موسيقيّ يعزف رغم انقطاع الكهرباء، أو امرأة تكتب شعرًا في السرّ كي لا تموت من الصمت.
من الميدان إلى الأدب
بعد سنواتٍ من المهنة الصحافيّة، أدركت دلفين مينوي أن الحقيقة لا تُقال كلّها عبر المقالات، فانتقلت تدريجيًا إلى الأدب، حيث اللغة أكثر رحابة والخيال أقدر على قول المسكوت عنه.
في روايتها "أبجدية الصمت" (L’Alphabet du silence) التي نشرتها بالعربية دار "نوفل – هاشيت أنطوان" في بيروت، تعالج قضايا القمع الفكري ومصادرة الحريّات في تركيا بعد محاولة الانقلاب على أردوغان، متتبّعةً مصائر أساتذة ومثقفين حوّلهم الصمت إلى لغةٍ جديدة. إنها رواية عن المنفى الداخلي، عن أولئك الذين يُقتلَعون من مدارسهم وجامعاتهم لكنهم يواصلون المقاومة بالكتابة والتعليم سرًّا.
أما روايتها الأخيرة "بادجنز" (Badjens)، فهي صرخة جيلٍ إيرانيّ جديد، تفتتحها بصورةٍ رمزية مؤلمة: فتاة تُشعل النار في حجابها. هذه البطلة، كما تقول مينوي، تمثل "جيل زد" (Generation Z) الإيراني الذي لم يعد يقبل المساومة، جيلًا يرفض ثقافة الخوف، ويريد أن يعيش بسرعة وبكرامة.
"بادجنز" كلمة فارسيّة تعني "الفتاة المتمرّدة" أو "الوقحة"، وهي تلخص روح الكاتبة نفسها التي تتحدّى القيود والتابوهات، وتكتب لتكسر الصمت.
بين الواقع والحلم
تُدرك مينوي أنّ الأدب لا يوقف الحرب، لكنه يمنح البشر قدرةً على الصمود. تقول: "الكتب لا تمنع القنابل من السقوط، لكنها تمنع الإنسان من السقوط في العدم".
في كتابها الشهير "مكتبة داريا" (Les passeurs de livres de Daraya)، نقلت إلى العالم حكاية شباب سوريّين حوّلوا أنقاض مدينتهم إلى مكتبة سريّة تحت القصف. كان أولئك الشبان، كما تقول، "يقرأون كي يبقوا أحياء". وهي ترى في هذه التجربة درسًا إنسانيًا عميقًا، فالثقافة ليست ترفًا، بل فعل بقاء في وجه البربرية.
النساء في كتاباتها
تحضر المرأة في كتابات دلفين مينوي ليس كضحية بل كبطلةٍ يومية، تراها "نصف المجتمع الذي لا يُمكن فهم النصف الآخر بدونه". من المرأة الإيرانية التي تخوض معركتها ضدّ الحجاب الإجباري، إلى اللبنانية التي تصمد وسط الأزمات، إلى السورية التي تُعلّم أطفالها بين الخيم، تُقدّم مينوي صورًا متعدّدة للأنوثة المقاومة، فهي تكتب عن النساء كقوّة تغيير، وعن الحياة اليومية بوصفها ميدانًا للنضال. وتتساءل دائمًا: لماذا لا تُصوَّر النساء إلا حين يكنّ ضحايا؟ في تجربتها الممتدّة على مدى أكثر من ربع قرن في الشرق الأوسط، التقت مئات النساء اللواتي يدرن المستشفيات، يقدن الحافلات، يُدرّسن، ويكتبن، ويقاومن. وعنهن تقول: "هؤلاء بطلات لا يظهرن في الأخبار، لكنهن يصنعن التاريخ من خلف الستار".
بيروت الذاكرة والمأوى
حين تتحدّث دلفين مينوي عن لبنان، تتغيّر لهجتها، كأنها تعود إلى بيتها الأول. تقول إنها لا تستطيع الحديث عن مسيرتها دون التوقف عند السنوات التي عاشتها في بيروت بين 2007 و2012، حين كانت البلاد تعيش على إيقاع التوترات السياسية والأمنية. "بيروت"، كما تصفها، "مدينة تعرف كيف ترقص على أنقاضها، كيف تُحبّ رغم الألم". وهي ترى في هذا البلد نموذجًا مصغّرًا للعالم العربي كلّه: متعدّد، متناقض، لكنه حيّ لا يموت.
خلال مشاركتها الأخيرة في مهرجان "بيروت كُتب"، أعربت عن انبهارها بقدرة اللبنانيين على تحويل الألم إلى فن، والخراب إلى موسيقى. وتؤكّد: "حين تُغلق كل الأبواب، يبقى الفن هو الباب الوحيد المفتوح نحو الضوء".
الأمل في زمن الظلام
بعد أكثر من عقدَين من العمل في الشرق الأوسط، بين الحروب والثورات والانهيارات، لا تزال دلفين مينوي تؤمن بالأمل. ليس الأمل السياسي، بل الأمل الإنساني. ترى أن جيل "الربيع العربي"، رغم الإخفاقات، كسر جدار الخوف إلى الأبد. التغيير، بالنسبة إليها، ليس لحظةً بل مسار طويل "يشبه الماراثون أكثر من العاصفة". وفي وجه صعود النزعات الاستبدادية في العالم، تحذر من أن "حرية الصحافة باتت على المحك"، خصوصًا مع تنامي التضليل الرقمي. لكنها تؤمن بأن الصحافة الميدانية - "صحافة العيون والروائح والوجوه" – ستبقى حجر الزاوية في مقاومة الزيف.
الكتابة كفعل حياة
في ختام حديثها مع "نداء الوطن"، تقول دلفين مينوي عبارة تلخص فلسفتها كلّها: "الكتابة لا تُغيّر العالم، لكنها تُغيّر نظرتنا إليه. وهذا يكفي كي نبدأ من جديد".
إنها كاتبة تعرف الخوف وتواجهه، تعرف المنفى وتجعل منه وطنًا من الكلمات، تعرف القسوة وتردّ عليها بالحِبر. في عالمٍ يزداد انغلاقًا، تُعيد دلفين مينوي إلى الصحافة معناها الأصلي أي أن تكون شهادة على الإنسان، وأن تُنصت إلى الحكايات التي تُنقذ الروح من الصمت. تؤمن مينوي بأنّ الكتابة فعل مقاومة، وأنّ الثقافة قادرة على إنقاذ الإنسان من العدم حتى في قلب الحرب.
نبذة عن دلفين مينوي دلفين مينوي صحافيّة وكاتبة فرنسيّة من أصول إيرانيّة، وُلدت في باريس عام 1974. درست الصحافة والعلوم السياسية، وعملت مراسلة لصحيفة "Le Figaro" في الشرق الأوسط، حيث غطّت حروب إيران والعراق ولبنان واليمن. نالت عام 2006 "جائزة ألبير لوندر"، أرفع جائزة فرنسية في الصحافة، عن شجاعتها وتقاريرها الميدانية. عاشت نحو عشر سنوات في إيران قبل أن تستقرّ في بيروت ثم إسطنبول. تُعدّ اليوم من أبرز الأصوات الصحافية التي جسّدت واقع المرأة والمجتمع في العالمين العربي والإيراني بعمقٍ إنساني. من مؤلفاتها البارزة: "أكتب إليكم من طهران" (2015)، "مكتبة داريا السرّية" (2017)، "أبجديّة الصمت" (2021) وقد صدرت ترجمتها العربيّة عن دار "نوفل – هاشيت أنطوان" في العام 2023، و "بادجنز" (2024). |

