أمجد اسكندر

بلاد لا تحب العائدين

3 دقائق للقراءة

محاولات إقصاء المنتشرين عن الانتخابات النيابية تعود إلى ما قبل الحرب اللبنانية. وصل الأمر إلى حد أن رئيس الحكومة الأسبق الراحل سليم الحص عارض بشدة هذا الحق، وإليكم الذريعة: المنتشرون يفوقون المقيمين عددًا. فإذا اقترعوا فسيأتي نواب منتخبون من لبنانيين لا يخضعون لمفعول التشريعات والقوانين. وقصد الرئيس الحص بشكل خاص قوانين الضرائب والرسوم.

هذه البدعة تكذبها مليارات الدولارات التي يضخها المنتشرون في الاقتصاد المحلي، وتخضع بدورها للضرائب والرسوم نتيجة استثماراتهم المباشرة أو استثمارات ذويهم. لقد استعملت نظرية اقتصادية غير صحيحة لإخفاء مصالح سياسية.

ومن المستغرب أن القوى السياسية التي تسعى إلى الديمقراطية العددية عبر المطالبة بلبنان دائرة واحدة، تريد حرمان المنتشرين من ديمقراطيتهم المزعومة، لأنها تعتقد أن المسيحيين المنتشرين أكثر عددًا، وتاليًا تريد الديمقراطية العددية حيث تفيدها، وترفضها حيث تتعدى مقياسها. هذا إذا سلمنا أن عدد اللبنانيين الذين استعادوا جنسيتهم، وحتى الذين قد يستعيدونها في المستقبل، سيصبح فعلًا أكثر من عدد المقيمين، وهو أمر مستبعد جدًا.

من أسباب الثورة الأميركية في القرن الثامن عشر على الإمبراطورية البريطانية شعار رفعه الثائرون ويقول: "لا ضرائب من دون تمثيل". أي أن "المنتشرين" الخاضعين للتاج البريطاني وراء البحار، طالبوا بأن يمثلوا بنواب في البرلمان البريطاني ليقبلوا بدفع الضرائب. هنا يتضح أن النظرية الصحيحة مقلوبة، فحق الاقتراع سابق لواجب الضريبة.

وبالعبارة الصريحة، لا يُراد تحسين التمثيل للقوى السيادية من كل الطوائف، على اعتبار أن مزاج المنتشرين بشكل واسع يعارض "الثنائي الشيعي" ومن لفّ لفّه.

إن تعديل القانون واجب ولمرة نهائية، وليس لمرة واحدة فقط. فمن الألغام التي تترصدنا في المستقبل إلغاء ستة مقاعد من الدوائر المحلية بعد دورة انتخابية تعتمد الدائرة السادسة عشرة. وعندما نتذكر أن القانون الحالي، رغم حسناته، حرم المسيحيين من حسن تمثيلهم بما يتعدى عشرة مقاعد، فمن أية دائرة محلية سيلغى لاحقًا المقعد الأرثوذكسي أو المقعد الماروني؟ إنها عملية قضم مستمرة تتخذ أشكالًا متنوعة في كل مرة.

وبحسب "الطائف" يتشكل البرلمان اللبناني من مئة وثمانية نواب. رفع النظام الأمني اللبناني السوري العدد إلى مئة وثمانية وعشرين، وأضيف - على سبيل المثال - مقعد ماروني في طرابلس فقط لإنجاح شخص معين.

مما سبق، المطلوب برلمان باتجاه واحد، يشرّع عندما تكون الأكثرية لمحور الممانعة، ويتعطل إذا كانت الأكثرية للقوى السيادية. والشواهد كثيرة.

قال مارك توين: "إذا كانت الانتخابات ستحدث تغييرًا، فلن يسمحوا لنا بإجرائها". كلنا يعرف أن المتاح والمرجح ليس ستةً ولا مئة وثمانية وعشرين، وعلى المنتشرين، إذا أرادوا الاقتراع، تكبد آلاف الدولارات لحجز رحلات الذهاب والعودة. وذلك اللبناني المجنون الذي عاد ليوم أو ليومين كي يمارس حق الانتخاب، سيردد في داخله تلك الفكرة من كتاب "موسم الهجرة إلى الشمال" للروائي السوداني الطيب صالح، وهي: "إني أعود من بلاد لا تحب العائدين". والسلام.