رجلٌ وسيم، مع كاريزما عالية، ثلاثيني، لا يأبه بشيء، يكسر القيود، يتجول بدراجته الهوائية بين شوارع نيويورك، يصافح الناس بحرارة، ويتجرأ بالقيام بأمور لم يستطع أحد قبله أن يقوم بها، يتكلم اللغة العربية، ولا يخاف الرئيس الأميركي. إنه عميد نيويورك الجديد زهران ممداني.
لحظات بعد إعلان انتصاره على منافسه الجمهوري كورتيس سليا، انتشر اسم ممداني كالنار في الهشيم في كل أرجاء المعمورة. كثيرون هلّلوا لفوزه، معتبرين أنه شوكة في حلق اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأميركية، كيف لا، وهو أول مسلم من أصول هندية وثاني اشتراكي ديمقراطي بعد ديفيد دينكنز يتولى منصب عمدة نيويورك.
في السياق نفسه، فوز ممداني بعمدة نيويورك ليس بالحدث العادي، فالمدينة التي هزّتها أحداث 11 أيلول منذ 24 عامًا، والمدينة التي تحوي أكبر جالية يهودية في العالم، والمدينة التي صنعت مجد دونالد ترامب، والتي تعتبر عاصمة الرأسمالية في العالم، والتي يوجد فيها وول ستريت وأهم الشركات والبنوك والمليارديرات، تختار اشتراكيًا، مسلمًا، ابن مهاجر هندي وزوج سورية، ليقودها.
في الحقيقة، إنّ لفوز ممداني أسبابًا عديدة، أولها قدرته على التأثير داخل الحزب الديمقراطي من خلال استخدام خطابين أساسيين، الأول هو "الخطاب الماركسي" المبني على نظرية صراع الطبقات، من خلال حثّ العمال على الثورة ضدّ أصحاب رؤوس الأموال وجعلهم يمتلكون أدوات الإنتاج للتحرر من الأغنياء المتسلطين، والثاني عبر ما يُعرف بخطاب ما بعد الاستعمار، الذي يجعل من الأقليات كتلة واحدة تواجه الأكثرية المتطرفة والمسيطرة، على حدّ تعبيرهم.
في الواقع، ما يقدّمه ممداني للسيطرة على أموال الأغنياء في نيويورك هو رفع قيمة الضرائب عليهم في محاولة لجمع أكبر قدر من الأموال، سياسة تبدو للوهلة الأولى مفيدة للطبقة العاملة، في حين أنّ تطبيق هكذا سياسات وغيرها من السياسات الخانقة على أصحاب الشركات قد يُدمّر اقتصاد المدينة من خلال هروب هذه الرساميل خارجها، بينما لن يستطيع حتمًا تطبيق هذا النوع من الضرائب على رجال أعمال اعتادوا استخدام طرائق شتّى للتهرّب من دفع أي ضرائب إضافية.
في المقابل، خطاب "ما بعد الاستعمار" الذي نشط كثيرًا في الفترة الماضية في الولايات المتحدة الأميركية، على الرغم من إيجابياته من خلال جعل الأقليات شريكًا في الحكم وليس منبوذًا من قبل الأكثرية، إلا أنّه أصبح مع الوقت واحةً للصراعات الطبقية بمسمّى جديد، والأسوأ أنّه فتح الباب أمام الأقليات لانتقاد الرجل الأبيض ووصفه بأبشع الأوصاف، بينما يُمنع أي نوع من انتقاد الأقليات تحت حجة التعرّض لحقوقها.
خطاب ظهر أول مرة في الجامعات الأميركية في سبعينيات القرن الماضي، وأصبح يتمدّد حتى وصل إلى عالم السياسة، مما ساهم في صعود نجم اليمين المتطرف وترامب فيما بعد، وبدلًا من العودة إلى الوسط، فضّل هذا التيار أن يستشرس أكثر ضدّ التطرّف، من خلال ثورة مضادة ضدّ الثورة.
ثانيًا، جاء فوز ممداني لقدرته على استعطاف الشباب الأميركي، الذي سئم الحرب في غزة، لذا جاء خطاب ممداني المناهض للحرب والمدافع عن حقوق المستضعفين في غزة الذين لا صوت لهم.
في المقابل، هلّل الكثيرون في منطقتنا لانتخاب ممداني، معتبرينه نصرًا على الغرب الذي يريد تدميرنا، في حين أنّ انتصار ممداني هو نتيجة طبيعية لصراع الأفكار والإيديولوجيات فيها، أي نتيجة ديناميكية طبيعية، بينما نحن نعيش في تخلّف وجودي سياسي وفكري لا مثيل له. نيويورك، عاصمة الولايات المتحدة الاقتصادية، انتخبت مهاجرًا مسلمًا ليكون عمدة لها، فهل تتجرّأ أي مدينة في بلداننا أن تنتخب واحدًا من أقلياتها عميدًا لها؟