الدكتور سايد حرقص

هل​ بيان "حزب الله"... هو ردّ مباشر على مواقف الرئيس؟

3 دقائق للقراءة

​لم يأتِ بيان حزب الله الموجَّه إلى الرؤساء الثلاثة صدفةً، ولا بدافعٍ "وطني" كما حاولوا أن يقدّمونه في ظاهره.

فالتوقيت، قبل المضمون، يُظهر أنّ الحزب أراد أن يردّ على مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون التي رسمت في الأيام الأخيرة معالم سياسة دفاعية جديدة، تُعيد للدولة والجيش دورهما في مواجهة إسرائيل، وتطرح خيار التفاوض كخيار وطني جامع لإنهاء الاحتلال في الجنوب.

​قبل أيام من صدور البيان، أوعز الرئيس عون إلى الجيش اللبناني بالتصدي لأي توغّل إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، بعد استهداف العدو لبلدة بليدا. هذا القرار، الذي لقي ترحيبًا شعبيًا واسعًا، شكّل رسالة مزدوجة: أولاً، أن الدفاع عن الأرض هو مسؤولية الدولة. وثانيًا، أن الجيش هو من يقرّر في الميدان، لا أي تنظيم مسلّح آخر.

​لذلك، لم يتأخر حزب الله في الردّ. فجاء بيانه المفتوح بمثابة اعتراض مغلّف على هذا التوجّه الرئاسي، مؤكدًا أن "موضوع السلاح لا يُبحث استجابة لطلب أجنبي" وأن الدفاع "ليس قرار حرب أو سلم بل حقّ مشروع تمارسه المقاومة". بهذه العبارات، حاول الحزب أن يسحب بساط الشرعية من تحت قرار الرئاسة والجيش معًا.

​الأكثر إزعاجًا للحزب في خطاب الرئيس لم يكن فقط قرار التصدي للعدو، بل دعوته خلال لقائه مساعد وزير الخارجية البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هاميش فالكونر إلى جعل التفاوض خيارًا وطنيًا جامعًا لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، مع مناشدة الغرب الضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان.

هذه المبادرة وحدها كفيلة بأن تثير حذر الحزب، لأنها تُعيد ملف الصراع إلى يد الدولة اللبنانية، وتضع "المقاومة" خارج المعادلة السياسية. فالتفاوض، في قاموس الحزب، يعني نزع السلاح. من هنا، بدا البيان وكأنه يقول للرئيس عون: "التفاوض شأن خطير، ولا يمكنكم المضيّ فيه بمعزلٍ عن المقاومة."

​في جوهره، البيان ليس سوى ردّ سياسي على لحظة رئاسية مفصلية. الرئيس يرفع موقع الجيش إلى مستوى القرار السيادي، والحزب يسارع إلى إعادة رسم الحدود بين "سلاح الجيش" و"سلاح المقاومة". الرئيس يتحدث عن وحدة القرار الوطني، والحزب يحذّر من "الاستدراج إلى مفاوضات تخدم مصالح العدو".

إنها مواجهة غير مباشرة بين منطق الدولة ومنطق التنظيم المسلّح، تُدار بلغة البيانات لا بالميادين.

​بيان حزب الله الأخير أعاد تسليط الضوء على سؤال الشرعية: من يقرر في الحرب والسلم؟ ومن يحمي الأرض فعلاً؟

​وفي حين يسعى الرئيس جوزيف عون إلى ترسيخ صورة الدولة القادرة على الردّ والتفاوض ضمن الأطر الدولية، يحاول حزب الله تثبيت معادلة قديمة قائمة على ازدواجية القرار.

​بيان حزب الله اليوم جاء ليقول: "لسنا على الهامش، وسلاحنا ليس مطروحًا للنقاش."

​بيان حزب الله جاء ليقول لرئيس الجمهورية: "لا يمكنكم استعادة زمام المبادرة"، ولا يمكنكم فرض خطاب جديد يُعيد تعريف مفهوم الدفاع والسيادة.

​وبين خطاب الدولة وخطاب الحزب، يقف اللبنانيون أمام مفترقٍ حقيقي:

هل يكمل الرئيس مبادرته لإنقاذ لبنان؟ أم يساهم بيان حزب الله في وضع العصي في دواليب المبادرة، فتبرد الهمم حفاظًا على السلم الأهلي، مما يضع لبنان مجددًا أمام بركان الجحيم الصهيوني؟