منذ انتهاء "حرب الإسناد"، تحوّل "حزب الله" من أسطورةٍ تهدّد أمن الكيان الصهيوني إلى مجرد ميليشيا مهزومة مأزومة، تروّج للوهم حفاظًا على بيئتها ووجودها. فالضربات الإسرائيلية المتلاحقة كشفت حجم الاختراق الإسرائيلي العميق لبنية الحزب، مما حوّل "توازن الرعب" إلى مجرد جبلٍ من الوهم. ومع مرور الوقت، أدرك الجميع أن "حزب الله" خرج من المواجهة مثقلاً بالعجز، فاقدًا لزمام المبادرة، ومشلولًا ميدانيًا وسياسيًا، يكتفي بإصدار بيانات التهديد والوعيد دون أي أثرٍ فعلي في الميدان.
هذا الشلل لا يعود فقط إلى الخسائر البشرية والمادية الهائلة التي تكبّدها الحزب، بل أيضًا إلى التحولات الداخلية في لبنان وإيران وسوريا على حدٍّ سواء. فالسلطة اللبنانية الجديدة، وإن كانت تتهيب الصدام مع "حزب الله"، إلا أنها ليست مسهِّلة لنشاطه كما كانت في عهد الرئيس ميشال عون.
أما إيران، التي استثمرت منذ الثمانينيات في ""حزب الله"" كذراعٍ ضاربٍ لها في المنطقة، فتجد اليوم أن استثمارها ينهار أمام عينيها. علما أنها باتت أكثر انشغالًا بتحدياتها الداخلية، وبمحاولة حماية نظامها وتقوية دفاعاتها، خاصة بعد الضربات الإسرائيلية المدمّرة التي طالت كبار ضباطها وعلماءها وبرنامجها النووي، الذي كانت تعوّل عليه لبناء صورتها المستقبلية عبر الدخول من الباب العريض إلى نادي الدول النووية.
في حين سوريا الأسد، التي كانت يومًا جسر عبور بين إيران و"حزب الله"، فقد تحوّلت إلى دولةٍ تعتبر الحزب عدوًا يجب القضاء عليه، مما قطع حبل السرّة بين "الأمّ" في طهران و"ابنها" في لبنان قبل بلوغه سنّ الرشد.
في المقابل، يبدو أن المشهد في إسرائيل لا يقلّ تناقضًا، خاصة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وإمكانية الوصول إلى حلٍّ دائم برعاية أميركية–عربية. فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الغارق في ملفات الفساد والاحتجاجات الداخلية، بات بحاجةٍ ماسّة إلى عدوٍّ خارجي يُبقي الإسرائيليين في حالة تعبئةٍ وخوف، كي يتجنّب المحاسبة ويسحب البساط من تحت خصومه السياسيين.
ولعلّ بقاء جبهة الجنوب اللبناني مفتوحة بالطريقة الحالية يُظهر إسرائيل بمظهر الجبّار الذي يقتل من يشاء ويدمّر ما يشاء، مع الإبقاء على فكرة أن "الخطر ما زال قائمًا". هذا الوضع يُرضي الغرور الجماعي لشعبٍ يؤمن بالتفوّق العرقي- الديني من خلال معتقد "شعب الله المختار"، لكنه في الوقت نفسه يترك تحذيرًا بأن الخطر لم ينتهِ بعد.
لذلك، فإن وجود "حزب الله" بوضعه الحالي، كثير الكلام، قليل الأفعال، يخدم نتنياهو أكثر من أي وقتٍ مضى، لأنه يمنحه مبرّرًا للاستمرار في الحكم بحجة الأمن القومي، ويُجنّب المجتمع الإسرائيلي لحظة المحاسبة الكبرى التي قد تُنهي مسيرته السياسية وربما تُدخله السجن.
من هنا، يمكن القول إن المعادلة انقلبت رأسًا على عقب:
فبعد أن كان "حزب الله" يقدّم نفسه كـ "درع المقاومة" ضد إسرائيل، أصبح اليوم عنصرًا من عناصر استمرار نتنياهو في السلطة. العدوّان اللدودان باتا بحاجةٍ ضمنيةٍ لبعضهما البعض؛ الأول ليستمر في ادّعاء "النصر الإلهي" ويشدّ عصب بيئته المحبطة، والثاني ليستمر في الحكم عبر تبرير "الحروب الضرورية".
أما لبنان، فهو الخاسر الوحيد في هذه اللعبة المتبادلة، إذ يبقى رهينة اشتباكٍ دائم لا يُحرّر أرضًا ولا يبني دولة.
لقد كشفت "حرب الإسناد" حقيقةً مرّة، وهي أن "حزب الله" لم يكن يومًا يشكّل تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل، لكنه تحوّل بعدها إلى ورقةٍ في يد نتنياهو يُلوّح بها متى شاء. وإذا ما توقّف المدفع نهائيًا، فإن الداخل الإسرائيلي المثقل بالخسائر والجراح سيستيقظ على أسئلةٍ مؤجلة: من المسؤول عن 7 أكتوبر؟ ولماذا لم تُمنع العملية قبل حصولها؟ وعندها سيجد نتنياهو نفسه وحيدًا في مواجهة موجةٍ مصيريةٍ من الغضب الشعبي، فيما تُستعاد ملفات الفساد القديمة التي جمّدتها الحرب، مما قد يُنهي حياته السياسية ويفتح أمامه أبواب المحاكم.
إنه مشهدٌ ساخر في تاريخه، مأساويٌّ في واقعه: "حزب الله" المشلول يُنقذ نتنياهو من السقوط، ونتنياهو المحتاج إلى عدوٍّ يستبقي "حزب الله" حيًّا ولو إعلاميًا. وبينهما وطنٌ اسمه لبنان، يعيش على أنقاض "أحلام شعبٍ" دمّرتها أوهام الإمبراطوريات الإلهية المجنونة، الآتية من موروثاتٍ شوّهت التاريخ وغيّرت صورته.