تُطفئ "نداء الوطن" اليوم شمعتها الأولى بعد إعادة انطلاقتها وانضمامها إلى مجموعة MTV برئاسة الأستاذ ميشال المر، الاسم الراسخ في سجلّ الإعلام الحرّ السيادي، وراعي الحريات وحاميها. سنةٌ واحدة كانت كافية لتؤكّد أن الصحيفة لم تعد مجرّد جريدة تُضاف إلى رفوف الأكشاك، بل صارت ركنًا ثابتًا في مشهدٍ سياسي وإعلامي مأزوم، تحتاج فيه البلاد إلى كلمةٍ حرّة بقدر ما تحتاج إلى رغيف الخبز وجرعة الدواء.
منذ عودتها، حملت "نداء الوطن" شعارًا واضحًا لا التباس فيه: هي صحيفة الحرية والسيادة، صحيفة كلّ مواطنٍ سياديّ يعترف بلبنان وطنًا نهائيًا لأبنائه، ويرفض الخضوع لسياسات المحاور والمشاريع العابرة للحدود. في زمنٍ تُستباح فيه الحقيقة تحت عناوين "الواقعية" و"الحياد" و"التسوية"، اختارت هذه الصحيفة أن تنحاز صراحةً إلى الدولة والدستور والكيان، وأن تقول "لا" حيث اعتاد كثيرون الاكتفاء بالهمس أو بالصمت.
ملء فراغ المواجهة مع الإعلام المُسَيَّس
الأثر الأبرز الذي حققته "نداء الوطن" في عامها الأول، هو ملء الفراغ في مواجهة ماكينةٍ إعلامية ضخمة مرتبطة بالمحور الإيراني في لبنان. يشير الإعلامي محمد بركات إلى أن عددًا من الصحف في البلاد يتمتع بقدراتٍ واسعة على الوصول إلى المعلومات أمنيًا وقضائيًا وغيرها، لكنه يفتقد إلى الجرأة في مواجهة المشروع الإيراني السياسي والعسكري على الأرض اللبنانية. كانت هناك محاولات عبر بعض المواقع الإلكترونية في السنوات الأخيرة، لكن لم تكن هناك، كما يقول، "وسيلة إعلامية تعبّر عن هذا القدر من الشجاعة والرغبة في المواجهة".
من هنا، يرى بركات أن "نداء الوطن" شكّلت "ذراعًا إعلامية متقدّمة بالشجاعة السياسية، في مواجهة المشاريع غير اللبنانية في البلد". والجرأة، كما يلفت، لا تنفصل أحيانًا عن التقدّم خطوةً إضافية على "الخطوط الحمراء"، لكن حماية الشجاعة تقتضي أحيانًا خرق السقف كي لا تتحوّل البلاد إلى رهينة الخوف. في رأيه، باتت الجريدة جزءًا من "القوة اللبنانية الاستراتيجية"، حيث الإعلام إلى جانب السياسة يقفان في مواجهة "الآلة العسكرية والأمنية والتهديدات"، ما يجعل من بقاء "نداء الوطن" في موقع الواجهة السياسية الشجاعة ضرورةً للسنوات المقبلة.
إعادة الاعتبار للكلمة ومعناها
في زمنٍ اختلطت فيه التعابير وابتعدت الكلمات عن معانيها، جاءت "نداء الوطن" لتعيد الأمور إلى نصابها. الأميرة حياة أرسلان تهنئ الصحيفة بعد سنة على إعادة انطلاقتها، وتشدّد على أهمّية وجود وسيلةٍ إعلامية "بهذه الدرجة من الجرأة، تسمّي الأشياء بأسمائها الحقيقية". فالوطن تعب، والمواطن تعب، كما تقول، من تدوير الزوايا وتحريف المعاني، حتى باتت الهزيمة تُسمّى انتصارًا، والتعنت غير المنطقي يُسَوَّق على أنه تسوية أو مساومة.
ميزة "نداء الوطن" في نظرها أن تعابيرها "تطابق الواقع"، فلا تحتاج إلى قاموسٍ موازٍ لفهم النصوص، ولا إلى شروح لتتبّع المقاصد المبطّنة. والأهمّ أن جرأة كتّابها فتحت الباب لأقلامٍ شديدة الوضوح في التعبير، فأتاحت لها مساحةً تعبّر فيها عن مواقفها من دون مواربة أو خوف. هذا الأمر، بنظر أرسلان، "ليس حسنةً فحسب، بل فضلٌ يُسجَّل للصحيفة في سجلّ الإعلام اللبناني".
مشروع سياسي واضح وصدقيّة راسخة
على المستوى السياسي، يلفت النائب وضاح الصادق إلى أن "نداء الوطن" برزت على ثلاثة مستويات أساسية: أوّلها، أنها "وسيلة إعلامية ذات مشروع سياسي واضح منذ الأساس، تعبّر عن رأيها بوضوح، وتنطق باسم شرائح واسعة من اللبنانيين، في الوطن والاغتراب، ممّن يحملون همّ القضية اللبنانية". ثانيها، الاحترافية العالية في اختيار المواقف والأسماء والكتّاب، وثالثها، المصداقية التي يشعر بها القارئ حين يمسك بالجريدة أو يفتح موقعها الإلكتروني.
يقول الصادق إنه شخصيًا لا يبدأ صباحه قبل تصفح موقع "نداء الوطن" وقراءة الجريدة، مؤكّدًا أنها باتت حكمًا "بين الصحف الثلاث الأكثر مبيعًا وقراءةً في البلاد". الاسم كان موجودًا في السابق، لكن فريق العمل الحالي أعاد إلى العلامة معناها، وجعلها مرجعًا ثابتًا لمن يريد الابتعاد عن "الأخبار المشبوهة" وعن التلوث الإعلامي المنتشر.
إعادة التوازن إلى الصحافة المكتوبة
الوزيرة السابقة مي شدياق ترى أن أهمية "نداء الوطن" لا تكمن فقط في وجودها، بل في عدم السماح بغيابها عن المشهد. ففي ظلّ صحافةٍ "تظن نفسها موضوعية وهي في الواقع لا تتخذ موقفًا واضحًا"، تضع الصحيفة نفسها في قلب المواجهة، وتعيد التوازن إلى الصحافة المكتوبة في لبنان. فالساحة، كما تشير، امتلأت بصحفٍ ومواقع "تصبّ استثمارات ضخمة في خدمة مشروع "حزب الله" ومحوره، وتشوه المعلومات وتقتطع الكلام من سياقه"، فيما صحف أخرى "تدّعي الحياد وهي في الحقيقة تميل إلى الجهة نفسها".
من هذا المنطلق، تعتبر شدياق أن وجود "نداء الوطن" كان "ضرورياً لإعادة التوازن السياسي والإعلامي". وتختم بتمني "الازدهار وطول البقاء للصحيفة"، مؤكّدة أن "نداء الوطن" ليست مجرّد إضافة على المشهد، بل حاجة وطنية ملحّة".
من الفراغ المسموم إلى النداء من أجل الوطن
يصف الكاتب السياسي أسعد بشارة هذا التحوّل بقوله إن اللبنانيين استعادوا مع "نداء الوطن"، "نداء السيادة ولغة الصحافة المحرَّرة من أثقال التخشب والتسييس والتزوير". عودةُ صفحاتها الصباحية، كما يضيف، نقلت المشهد من "فراغٍ مملوءٍ بسرديّاتٍ دمّرت لبنان" إلى حضورٍ شجاع "يقول لا لكلّ ما لا يمكن القبول به". لم تأتِ الصحيفة لتضيف محتوى رماديًا إلى سوقٍ مكتظ، بل لتكرّس "نداءً دائمًا، نداء الحرية والحقيقة في وجه التزوير والانهيار"، ولتعيد إلى الكلمة دورها في صناعة الوعي. سنةٌ واحدة كانت كافية، بحسب بشارة، لتصنع فرقًا حقيقيًّا، ومع كلّ صباح "مواجهةٌ جديدةٌ كي يبقى لبنان، ويبقى النداء نداءً من أجل الوطن".
الجرأة رأس الحربة… والوضوح السلاح
الإعلامي طوني بولس يلخص سنة العودة بعنوان واضح: "عامٌ على عودة "نداء الوطن": الجرأة رأس الحربة… والوضوح هو السلاح". في زمنٍ سيطر فيه التضليل والتبعية على عددٍ كبير من المنابر، جاءت "نداء الوطن" لتكسر هذا النمط وتعيد التوازن إلى المشهد الإعلامي اللبناني، كمن يشعل شمعةً في عتمة الدعاية الموجّهة".
لم تتلطّ الصحيفة خلف رماديةٍ مريحة، ولم تختبئ وراء شعاراتٍ فضفاضة، بل سمّت الأمور بأسمائها، وواجهت القوى المتحكّمة بمصير البلاد "من دون خوف أو حسابات آنية". في قلب هذه المسيرة برز فريق التحرير بقيادة الأستاذ أمجد سكندر، الذي استطاع بحكمته وتجربته أن يمنح الصحيفة "هوية سياسية واضحة افتقدها الإعلام اللبناني منذ سنوات"، وأن يحوّلها إلى "فسحة واسعة من الحرية والتعبير والمسؤولية الوطنية، تجمع بين المهنية في الأداء والصلابة في الموقف".
تحقيقات الصحيفة الجريئة أعادت إحياء ثقافة الصحافة الاستقصائية، وكشفت حقائق حاولت المنظومة طمسها. لذلك لم يكن مستغربًا تعرّضها لهجماتٍ متكرّرة من قبل "حزب الله" وأذرعه الإعلامية؛ فكلّ ضربة كانت اعترافًا ضمنيًا بمصداقيتها، وكل حملة تشويه هي دليل إضافي على أنها اقتربت من الحقيقة أكثر مما يحتمل البعض. هكذا برهنت "نداء الوطن" أن الصحافة "مسؤولية وطنية وليست ترفًا فكرياً"، وأن الكلمة الصادقة تُقاس بقدرتها على قول الحقيقة في وجه السلطة والسلاح والفساد، لا بعدد الإعلانات أو مصادر التمويل.
كسر المحرّمات واستعادة السردية اللبنانية
الإعلامي رياض طوق يذهب في الاتجاه نفسه، مشيرًا إلى أن المشهد الإعلامي قبل عودة "نداء الوطن" كان منقسمًا بين صحف "تسويقية ترويجية للمنظومة السياسية التي تقودها إيران في المنطقة"، وأخرى محايدة أو "مروَّضة" بالأزمة المالية. فبدل أن تكون بعض الصحف رأس حربة في الدفاع عن الكيان والقضية اللبنانية، اختارت النأي بنفسها.
في مرحلة الحرب وما تلاها، شاعت مقولة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وسعت بعض الأذرع الإعلامية إلى إسكات أيّ نقاش حول صوابية ما يجري. هنا، كما يوضح طوق، كان دور "نداء الوطن" في إعادة التوازن إلى الصحافة التي تعمل ضمن أجندات إقليمية، ومنح اللبنانيين "نمطًا إعلاميًا لبنانيًا صرفًا، يكسر كثيرًا من المحرّمات التي سادت في الصحف الورقية خلال السنوات العشر الأخيرة". من هنا، يضع طوق آماله على استمرار الصحيفة "بالجرأة نفسها وبالسياسة نفسها، لتبقى صوتًا حرًّا لا يساوم".
منبرٌ جامعٌ للبنانيين في الوطن والاغتراب
أما الإعلامية كارن البستاني، فترى في "نداء الوطن" صحيفة نحترمها "لأنها حملت منذ تأسيسها صوت الحرية وحرية التعبير في لبنان، واستمرّت على هذا النهج حتى اليوم". الجميل في نظرها أن الصحيفة "تابعت مسيرتها إلى جانب الأستاذ ميشال المر، الذي حمل عبر MTV وعبر "نداء الوطن" صوت كل لبناني سيادي وحرّ".
أهمّية التجربة، كما تقول، تكمن في الجمع بين التلفزيون والصحيفة والمنصّات الرقمية، ما يجعل من "نداء الوطن" منصةً متكاملة "تصل إلى كل اللبنانيين، ولا سيّما في الاغتراب". وهي تدعو إلى مزيد من الأقلام والكتّاب، وإلى أن تبقى الصحيفة "صوت كل اللبنانيين، في وجعهم وانتفاضاتهم ورؤاهم، في معارضتهم كما في نقدهم أو تأييدهم"، لأن هذا هو الدور الحقيقي للسلطة الرابعة. وخاتمتها تهنئة من القلب: "مبروك، وعقبال المئة سنة، كي نكون يدًا واحدة مع نداء الوطن لإحداث التغيير للبنان الجديد".
عام واحد… ونداءٌ لا ينطفئ
بين شهادةٍ وأخرى، يجتمع السياسيون والإعلاميون والقرّاء على حقيقة واحدة: أن "نداء الوطن" لم تعد مجرّد صحيفة تُضيف عنوانًا جديدًا إلى المشهد، بل تحوّلت في عامٍ واحد إلى حاجة وطنية وسياسية وإعلامية. هي صوت السيادة في زمن الارتباك، ومساحة الحرية في زمن الخوف، ومنبر الحقيقة في زمن التضليل.
تحت جناح مجموعة MTV وبرعاية الأستاذ ميشال المر، أثبتت "نداء الوطن" أن الكلمة الواضحة لا تموت، وأن الصحافة الحرّة قادرةٌ بعد على تعديل موازين القوى في الوعي والضمير، حتى لو عجزت عن ذلك في الشارع والسياسة. سنةٌ أولى تُكتب بحبر المواجهة، وبوعدٍ بسيطٍ لا مساومة عليه: أن تبقى هذه الجريدة نداءً من أجل الوطن، ومن أجل أن يبقى لبنان، وستبقى وفية لشعارها: "تَـ تعرف الصح من الغلط!".