في 11-11- 2025، لم يكن الاحتفال بمرور سنة على إعادة انطلاقة "نداء الوطن" مجرّد قصّ قالب حلوى أو التقاط صورة تذكارية، بل كان محطة مراجعة وتجديد عهدٍ بين صحيفةٍ اختارت طريق السيادة والحرية، وبين صحافيين وصحافيات يكتبون كلّ يوم تحت ضغط التهديد والتخوين ولا يتراجعون.
اجتمعت أسرة التحرير في حضن الجريدة، بحضور ناشرها ورئيس مجلس إدارة MTV ميشال المر، ورئيس التحرير أمجد اسكندر وأفراد الفريق الصحافي والإداري. لقاءٌ عائليّ وقف فيه الأستاذ ميشال المر بين الصحافيين، لا كصاحب امتياز وحسب، بل كشريكٍ في المعركة اليومية من أجل الحقيقة، فقال بكلامٍ صريح يختصر سنة من المواجهة: "مرت سنة بسرعة مليئة بالتحديات وبقي صوت نداء الوطن يعلو فوق كل الضغوطات وحملات الترهيب والتخوين. مع عودة نداء الوطن عاد ميزان المساواة بين وسائل الإعلام المكتوبة. أعلم أنكم تعرضتم لتهديدات كثيرة، هذا يعني أنكم تسيرون على الخط الصحيح. ومنذ الانطلاقة طلبت أن يكون السقف عاليًا ونحافظ على بصمتنا خصوصًا أن صحيفتنا باتت رقمًا صعبًا ومنافسًا شرسًا وبات صوتها مسموعًا. المسؤولية كبيرة ولكن "إنتو قدا والله يخلّيكن بهالهمة"".
بهذه العبارات، ثبّت المر معادلة بسيطة: كلّ تهديد هو شهادة على صوابية الخيار، وكلّ حملة تخوين دليل على أن الصحيفة أصابت عصب الحقيقة. فـ"السقف العالي" الذي طلبه منذ اليوم الأول، لم يكن ترفًا بل خيارًا وجوديًا في مشهد إعلامي يسهل فيه الانزلاق إلى الرمادية، ويصعب فيه الاستمرار في وضوح الموقف واستقلال الكلمة.
هذا الكلام لم يُسمَع كخطاب بروتوكولي عابر، بل كرسالة ثقة إلى فريقٍ صار يعرف أن ما يكتبه وينشر كل صباح له ثمن، وأن "نداء الوطن" باتت فعلًا "رقمًا صعبًا ومنافسًا شرسًا وبات صوتها مسموعًا" في ساحة الصحافة المكتوبة، بما يعيد التوازن إلى ميزان الكلمة في مواجهة إعلام مسيَّسٍ، ممسوكٍ بقبضة المال أو السلاح أو الأجندات الخارجية.
بين أرشيف الأمس وحبر اليوم، بدا المشهد أشبه بجسرٍ يربط جيلين: جيل سبعينات "نداء الوطن" الذي واكب تحوّلات كبرى في تاريخ الجمهورية، وجيل يكتب في زمن الانهيار والاحتلال المقنع والهيمنة المسلّحة، لكنه يصرّ على أن تبقى الدولة مرجعًا أوحد، والقانون سقفًا وحيدًا، والسيادة بندًا غير قابل للتفاوض.
الاحتفال لم يكن مناسبة للمديح الذاتي بقدر ما كان تجديدًا لقَسَمٍ مهنيّ وأخلاقي: أن تبقى الصحيفة في صف المواطن لا في جيب المنظومة، وأن تحمي ما أمكن من الفضاء العام من تلوث التضليل والدعاية، وأن ترفض الخضوع لأية "مساومة" تُفرّغ الكلمة من معناها مقابل موقعٍ أو مكسبٍ أو سلامةٍ شخصية.
وبدا واضحًا أن "نداء الوطن" لا تنظر إلى عامها الأول كإنجازٍ مكتمل، بل كبداية مسار أطول وأصعب. سنةٌ أولى أثبتت فيها الجريدة قدرتها على الصمود في وجه حملات القمع المعنوي، وعلى فرض نفسها كمرجعٍ للصحافة المكتوبة الحرّة، ولكن أيضًا كمختبرٍ يوميّ للصحافة الاستقصائية المسؤولة، التي تفضح ولا تشتم، تدقق ولا تفبرك، تسائل ولا تساير.
من قلب قاعة التحرير التي شهدت هذا الاحتفال المتواضع شكلًا، الكبير معنىً، خرج الانطباع الأهم: أن "نداء الوطن" لم تعد تملك ترف التراجع. فحين تصبح الصحيفة "صوتًا مسموعًا" للبنانيّ الذي يرفض الخضوع لأجندات الآخرين، وحين تتحوّل إلى مساحةٍ حقيقية لسيادة الكلمة، تصبح مسؤوليتها مضاعفة.
من هنا تستمر "نداء الوطن" برسالتها وبإيصال صداها إلى العالم بتحرير قيود التبعية والخضوع للأجندات التي لا تريد لدولة القانون النجاح بمهمتها...