زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن لم تكن حدثًا دبلوماسيًا اعتياديًا، بل علامة فارقة تختصر طبيعة المرحلة التي تعيشها المنطقة. فالبيت الأبيض لا يفتح أبوابه لدمشق بعد عقود من القطيعة بدافع المصالحة، بل لأنه يرى في اللحظة الراهنة فرصة لإعادة توجيه مسار سوريا بما يخدم التوازنات الجديدة التي تُصاغ على عجل في الشرق الأوسط.
التقى الشرع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المكتب البيضوي الإثنين، في حدث غير مسبوق منذ أكثر من ثمانية عقود. فهذه هي المرّة الأولى التي يستقبل فيها البيت الأبيض رئيسًا سوريًا، ما جعل الزيارة محطّ أنظار الدوائر الدبلوماسية التي وصفتها بأنها تحوّل استثنائي في العلاقات السورية - الأميركية بعد سنوات من القطيعة والعقوبات.
تجاوزت الزيارة حدود البروتوكول، إذ يتعامل المراقبون معها كجزء من إعادة رسم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، في مرحلة تشهد انتقالًا من الصدام العلني إلى محاولات احتواء النفوذ الإيراني عبر مسارات سياسية واقتصادية موازية.
وتستحضر هذه اللحظة مشاهد تاريخية نادرة في العلاقة بين البلدين، كزيارة ريتشارد نيكسون لدمشق في السبعينات، أو لقاء حافظ الأسد بيل كلينتون في جنيف، لكنها هذه المرّة تتخذ طابعًا أشد حساسية، خصوصًا بعد الرفع الجزئي للعقوبات الأميركية والبريطانية والتوجه داخل مجلس الأمن لتخفيف القيود الاقتصادية على سوريا.
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن هذا الانفتاح ليس بلا مقابل، بل يأتي ضمن تفاهم أميركي - إسرائيلي واسع يهدف إلى إعادة إدماج سوريا في منظومة إقليمية جديدة تحت عنوان "الاستقرار ومكافحة الإرهاب"، مقابل التزام دمشق بسلسلة تنازلات استراتيجية. وفي مقدّمها الدفع نحو التطبيع مع إسرائيل والانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، مع قبول ترتيبات أمنية تمنح تل أبيب حضورًا مباشرًا أو غير مباشر في نقاط حدودية حساسة.
أمّا الشرط الآخر، فيتمثل في تحجيم دور "حزب الله" وقطع خطوط إمداده مع طهران عبر الأراضي السورية، عبر تفاهمات أمنية قد تصل إلى عمليات ميدانية محدودة أو ترتيبات تخصّ وجود اللاجئين السوريين في لبنان. وتذكّر هذه المقاربة بمرحلة ما بعد اتفاق كيسنجر - الأسد في السبعينات، حين تحوّل لبنان إلى ساحة تفاهمات إقليمية بغطاء "الاستقرار".
في المقابل، يواجه لبنان ضغوطًا قاسية تتمثل في الغارات الإسرائيلية المتصاعدة والحصار المالي الأوروبي - الأميركي، وسط تلويحات متكرّرة بوضعه على اللوائح السوداء. وتشير تحليلات إلى أن الغاية من هذا الضغط دفع بيروت إلى مسار التطبيع "عبر البوابة السورية أولًا"، باعتبار أن لبنان لن يكون قادرًا على رفض التسوية بعد قبول دمشق بها.
تزامنًا مع ذلك، يستمرّ التصعيد الإسرائيلي في لبنان وسوريا، بينما يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أزمات داخلية تدفعه إلى تبني سياسة صدامية تُبقي "الخطر الإيراني" ذريعة دائمة لتعزيز موقعه السياسي. ويرى محلّلون أن فرض التطبيع على سوريا ولبنان يمثل خطوة تمهيدية لإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط بطريقة تمنح إسرائيل موقعًا مركزيًا في النظام الإقليمي الجديد.
أمام هذا المشهد المعقد، يجد الشرع نفسه محاصرًا بظروف لا تسمح له بهامش مناورة واسع. فالدعوة الأميركية لا تأتي من دون أثمان، وسوريا المنهكة بالحرب والعقوبات تفتقر إلى أوراق ضغط حقيقية. ويرى مراقبون أن الشرع وصل إلى لحظة مفصلية قد تحدّد مستقبل سوريا ولبنان معًا، وأن الانفتاح الأميركي يفتح بابًا جديدًا، لكنه قد يفرض على دمشق أعباءً أثقل من كلّ العقوبات التي رُفعت عنها.
زيارة الشرع إلى البيت الأبيض ليست بوابة سلام بقدر ما هي خطوة لإعادة تدوير الصراع وفق قواعد جديدة. فالانفراجات التي تُفرض من الخارج لا تُنهي الأزمات، بل تعيد توزيعها. وبينما تتغيّر لغة المواجهة من الحروب إلى الاتفاقات القسرية، تُكتب معادلات المنطقة على مقاس القوى الكبرى، لا على مقاس شعوبها.