قدّمت النيابة العامة في النمسا، أمس الأربعاء، لائحة اتهام غير مسبوقة ضد العميد خالد الحلبي، أحد أبرز ضباط نظام بشار الأسد، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وتعذيب معتقلين خلال سنوات الحرب الأهلية السورية.
وأشارت النيابة إلى أن الحلبي، البالغ من العمر 62 عامًا، كان يشغل منصبًا رفيعًا في جهاز المخابرات التابع للنظام السوري، ويُعدّ حتى الآن أرفع مسؤول أمني سوري يُحاكم في أوروبا على خلفية جرائم ارتُكبت في سوريا.
ألقي القبض على الحلبي في كانون الأول الماضي بالنمسا، بعد أكثر من 12 عامًا من الملاحقة والاختفاء في شقق سرية بباريس وفيينا. وكشفت لائحة الاتهام أنه لم يختفِ بمفرده، بل حصل على حماية من وكالتَي استخبارات غربية، من بينها جهاز الموساد الإسرائيلي.
ووفقًا للتحقيقات التي أجرتها النيابة النمساوية ومنظمات حقوق الإنسان، فإن الحلبي عمل كعميل مزدوج للموساد أثناء خدمته في الاستخبارات السورية. وبعد فراره من سوريا عام 2013، لجأ إلى فرنسا، لكنه اختفى عام 2015 بمساعدة عناصر من الموساد وضباط نمساويين هرّبوه إلى فيينا حيث حصل على لجوء سياسي.
وتشير النيابة إلى أن مسؤولي استخبارات نمساويين رفيعي المستوى ساعدوا في ترتيب لجوئه، في إطار تعاون غير رسمي مع الموساد. وأفادت التحقيقات أن إسرائيل كانت تدفع إيجار شقته في فيينا. كما خضع خمسة ضباط نمساويين سابقين للمحاكمة بتهمة إساءة استخدام السلطة، لكن معظمهم بُرّئ لعدم كفاية الأدلة.
انتهت رحلة اختفاء الحلبي بطريقة درامية، إذ قادته صورة نشرها بنفسه على وسائل التواصل الاجتماعي إلى الوقوع في قبضة السلطات. فقد أظهرته الصورة واقفًا على جسر في بودابست، وتمكن محققون مستقلون من تحديد الموقع بدقة، مما قاد إلى اعتقاله بعد أشهر من المتابعة.
تعود الجرائم المنسوبة إلى الحلبي وشريكه المقدم مصعب أبو ركبة إلى الفترة ما بين 2011 و2013، حين كانا يشرفان على حملات القمع ضد المتظاهرين في مدينة الرقة. ووفقًا لشهادات ناجين نقلتها صحيفة نيويورك تايمز، تعرّض عشرات المعتقلين لتعذيب وحشي شمل الضرب المبرح، والصعق بالكهرباء، والتحقيقات القاسية، وبعضها جرى داخل مكتب الحلبي شخصيًا.
وقال الطبيب عبيدة الحمادة، أحد الناجين من التعذيب: "كادوا يضربونني حتى الموت أثناء التحقيق. الحلبي ينفي مسؤوليته، لكننا جميعًا كنا نستجوب في مكتبه".
رفض كلٌّ من جهاز الموساد والسلطات الإسرائيلية التعليق على المزاعم المتعلقة بتورطهم في تهريبه أو حمايته. كما امتنعت وزارتا الداخلية والعدل في النمسا عن إصدار بيان رسمي، متمسكتين بسياسة "عدم التعليق على القضايا الفردية".
بالنسبة لضحايا النظام السوري، تمثل هذه المحاكمة لحظة عدالة رمزية بعد سنوات من الإفلات من العقاب. وقال الناشط السابق عبدالله الشام من مدينة الرقة: "عندما كنا نسمع اسم الحلبي، كنا نرتجف خوفًا. اليوم نراه جالسًا في قاعة المحكمة – لقد انقلبت الموازين".