منذ حرب تموز عام 2006، ترسّخت في الخطاب السياسي والإعلامي لـ«حزب الله» عبارة «النصر الإلهي»، لتتحوّل مع مرور الوقت إلى "متلازمة نفسية" وعقيدة جماعية تختزل مفهوم النصر بالبقاء على قيد الحياة، ولو كان الثمن دمارًا وخرابًا وتهجيرًا وذلًّا وانهيارًا على كل المستويات.
غير أن هذه المتلازمة النفسية، التي تصيب جمهور ما يُعرف بـ«محور الممانعة» بعد كل حربٍ ضد «العدو الغاشم»، سواء في حرب تموز 2006 أو حرب الاسناد 2023 وصولا الى اليوم، ليست مجرد توصيف سياسي، بل حالة نفسية جماعية تشبه ما يصفه عالِم النفس الاجتماعي ليون فستنغر في كتابه
A theory of Cognitive Dissonance
بـ«نظرية التنافر المعرفي»، حيث يُحوَّل الفشل إلى نصر رمزي لتجنّب الاعتراف بالهزيمة أو الإحباط الجماعي.
في تموز 2006، أعلن الحزب أنه «أنتصر» رغم أن البلاد كانت غارقة في جبال من الركام، وأكثر من ألف مدنيٍّ قضوا، والبنى التحتية انهارت. يومها، وُلدت متلازمة النصر الإلهي بوصفها آلية دفاعٍ نفسي جماعي، كما وصفها إرفينغ غوفمان في مفهوم «إدارة الانطباع» في كتابه:
The Presentation of Self in Everyday Life،
حيث يُعاد بناء الواقع ليخدم صورة الذات لا الحقيقة.
وقبل أن يستفيق الناس من هول الصدمة والدمار، تسارع ماكينة «حزب الله» الدعائية إلى إقناعهم بأنّ ما أصابهم ليس هزيمة، بل «الثمن المقدّس للنصر». وهكذا يُعاد تدوير الألم ليُصبح جزءًا من سرديّة المجد، ويتحوّل «النصر» إلى حالةٍ دائمة تُستحضر عند كلّ اشتباك، مهما كانت الخسائر فادحة، ومهما ابتعد الواقع عن معنى الانتصار ذاته.
بعد حرب الاسناد المدمرة واستمرار اسرائيل في عملية إغتيال عناصر حزب الله ومنع المواطنين من اعمار قراهم وحتى قطف مواسمهم لم يعد «النصر الإلهي» توصيفًا لنتيجة معركة، بل تحوّل إلى أداة لضبط الوعي الجماعي داخل "بيئة حزب الله". الجمهور الذي يقتنع بأن النصر حتميٌّ ومقدّس وهو وليدة مفهوم خاص للموروثات الدينية لا يعود يناقش أو يحاسب. وهنا تبرز بوضوح نظرية الطاعة (Obedience Theory) التي شرحها ستانلي ميلغرام في تجاربه الشهيرة عام 1963، حيث يخضع الأفراد لسلطة مطلقة بدافع الإيمان بواجبٍ أخلاقي أو ديني، حتى لو تعارض مع مصلحتهم الشخصية.
وفي موازاة ذلك، تعمل نظرية "الهوية الاجتماعية" على تفسير كيف يندمج الفرد في الجماعة، فيصبح ولاؤه للجماعة هو معيار الحقيقة، لا الوقائع. وهكذا نشأت بيئةٌ مغلقة، مهووسة بالانتصار وخائفة من الشكّ، ترى في كل سؤال خيانة، وفي كل نقدٍ تفكّكًا للجبهة الداخلية.
ربما تلخّص سخرية زياد الرحباني، في برنامجه الإذاعي الشهير "العقل زينة" الذي كان يذاع زمن الحرب اللبنانية، جوهر هذه المتلازمة حين قال: «أيا نصر يا عمي… أيا نصر يا خليقة؟ صامدون حتى النصر؟ على هيك شبيق وخطط عسكرية بتشبه صينية الكبة وتقيلة؟ وحتى النصر؟ أيا نصر يا خوريو؟ فرجيني نصر واحد متل يلي عم تحكي عنو…».
كانت تلك الكلمات مرآةً ساخرة للذهنية اللبنانية التي تكرّر شعارات النصر فيما الواقع مدمَّر. واليوم، بعد كل مواجهة يخوضها حزب الله، تتردّد النغمة نفسها وكأنها إدمانٌ مرضي على إعلان النصر.
اليوم تعيش بيئة حزب الله خاصة والمجتمع اللبناني عامة، انكسارات داخلية صامتة. لم يأتِ النصر بالعدالة، ولا بالأمان، بل بالعزلة والتراجع والخوف والدمار والتهجير والفقر والجوع والغضب.
الخطر الأكبر في «متلازمة النصر الإلهي» لا يكمن في تكرارها، بل في ثقافة تحويل الخسارة إلى فضيلة والفشل إلى بطولة، مما يمنع أي تصحيحٍ أو محاسبة.
النصر الحقيقي، كما يختم المؤرخ د.كمال الصليبي في كتابه بيت بمنازل كثيرة، ليس في الحرب ولا في الانتصار على الآخر، بل في القدرة على الإيمان المشترك بلبنان الذي يؤسس لبناء وطنٍ يعيش فيه المواطن بكرامة وسلام.