جاد الاخوي

قراءة في نتائج انتخابات العراق... فوز بطعم الخسارة للسوداني

5 دقائق للقراءة
أنصار السوداني خلال احتفالهم في بغداد الأربعاء (رويترز)

أفرزت نتائج الانتخابات العراقية الأخيرة فوز قائمة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بـ 46 مقعدًا من أصل 329 في مجلس النواب العراقي. ورغم أن هذا الرقم يُظهر حضورًا سياسيًا معتبرًا، إلا أنه لا يمنحه القدرة الفعلية على تشكيل الكتلة الأكبر، خصوصًا أن القوى الشيعية الأخرى تمتلك ما يقارب 151 مقعدًا، ما يجعلها الكتلة الأوسع تمثيلًا والأكثر قدرة على فرض مسارات التفاهم أو الاصطفاف داخل البيت الشيعي.

من أصل المقاعد الـ 46 التي حصدتها قائمة السوداني، لا يُنسب مباشرة إلى تياره الشخصي سوى 7 مقاعد فقط. أمّا البقية (نحو 38 مقعدًا) فذهبت إلى حلفاء سياسيين ينتمون إلى أجنحة قريبة من الفصائل المسلحة أو إلى شخصيات مشمولة بالعقوبات الأميركية، مثل: فالح الفياض - رئيس "هيئة الحشد الشعبي"، وأحمد الأسدي - زعيم كتلة "جند الإمام"، والشيخ حيدر الغريفي - ممثل فصيل "الأوفياء".

هذا التوزيع يُظهر بوضوح أن القوة الفعلية داخل القائمة ليست بيد السوداني، بل موزعة بين أطراف قد تتخذ مواقف مستقلّة عنه، خصوصًا عند لحظة تشكيل التحالفات لتكوين الحكومة المقبلة.

كان السوداني يراهن على تحقيق تصويت شخصي مرتفع يفوق نصف مليون صوت دعمًا له ولمشروعه السياسي. لكن النتائج جاءت بعيدة عن هذه التقديرات، إذ لم يتجاوز عدد المصوّتين له 92477 صوتًا فقط. هذا الفارق الكبير بين التوقعات والواقع يعكس خطأ في القراءة الميدانية للشارع العراقي، ويشير إلى تراجع الزخم الشعبي الذي كان السوداني يعتقد أنه اكتسبه خلال فترة رئاسته للحكومة.

يمكن وصف ما حدث بأنه فوز بطعم الخسارة لسببين رئيسيين:

- التمثيل العددي المحدود: حصول السوداني على 46 مقعدًا لا يؤهله لتشكيل الكتلة الأكبر، خصوصًا أن القوى الشيعية الأخرى تمتلك 151 مقعدًا، ما يجعله تابعًا لا قائدًا داخل المكون الشيعي.

- تفكك التحالف الداخلي: أغلب المقاعد داخل قائمته بيد قوى مرتبطة سياسيًا وفكريًا بمحور طهران، ومن المرجّح أن تنضمّ هذه الأطراف إلى الكتلة الشيعية الكبرى لتشكيل تحالف قد يصل إلى 189 مقعدًا، ما يجعل السوداني مهمّشًا داخل تحالف لا يملك قراره.

الاستنتاجات والتداعيات

- صعود القوى الموالية لإيران فاق التوقعات السابقة، ما يؤشر إلى تغيّر موازين القوى داخل المكوّن الشيعي لمصلحة التيارات العقائدية والفصائلية على حساب التيارات الوسطية والمدنية.

- نفوذ السوداني السياسي في البرلمان سيكون محدودًا، وقد يجد نفسه معزولًا داخل تحالف لا يقوده فعليًا.

- الفارق بين طموحه الانتخابي ونتيجته الواقعية سيضعف موقعه التفاوضي في المرحلة المقبلة، ويجعله رهينة للتوازنات التي تفرضها الكتلة الشيعية الأوسع.

من بغداد إلى بيروت: معادلة النفوذ المضبوط

في العراق، جاءت النتيجة لتُعيد تثبيت دور الفصائل الموالية لإيران وتؤكد أن طهران ما زالت قادرة على إدارة اللعبة السياسية عبر وكلائها. أمّا في لبنان، فإن هذا الصعود يترجم مرحلة تهدئة محسوبة تُبقي الساحة اللبنانية تحت السيطرة، من دون أن تنزلق إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل. فإيران، وقد ضمنت موطئ قدم متينًا في بغداد، تفضل حاليًا الحفاظ على "هدوء استراتيجي" في لبنان يسمح لها بإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية.

بمعنى آخر، كل مكسب سياسي لإيران في العراق يقابله تراجع في الحاجة إلى التصعيد في لبنان. وهذا ما يفسّر التركيز الأميركي في الأسابيع الماضية على "ضبط الجبهة الجنوبية" والضغط في اتجاه الإصلاح والانتخابات بدل المواجهة.

الرسائل إلى الداخل اللبناني

- للقوى المعارضة لـ "حزب الله": ما حصل في العراق يوجّه إنذارًا واضحًا بأن مواجهة النفوذ الإيراني لا يمكن أن تُخاض عبر صناديق الاقتراع فقط، بل عبر مشروع وطني متماسك يتجاوز الانقسام الطائفي. فكما فشلت القوى المدنية العراقية في كسر الهيمنة العقائدية، قد تفشل المعارضة اللبنانية إن لم تُقدّم بديلًا واقعيًا ومقنعًا.

- للقوى الموالية لإيران: الانتخابات العراقية كانت بمثابة رسالة طمأنة أن الدعم الإيراني مستمرّ، وأن التراجع في لبنان ليس سوى تكتيك مرحلي لإعادة التموضع وليس علامة ضعف. "حزب الله" يقرأ جيّدًا هذه المعادلة، ويدرك أن الوقت الراهن ليس زمن المواجهة، بل زمن تثبيت المكاسب بهدوء.

بين واشنطن وطهران: التفاهم غير المعلن

تشير المعطيات الدبلوماسية إلى أن الولايات المتحدة لم تعارض النفوذ الإيراني في العراق بقدر ما سعت إلى ضبطه ضمن حدود تمنع انفجار الجبهة اللبنانية. هذه "المقايضة الهادئة" تعني عمليًا أن لبنان دخل مرحلة إدارة الأزمة لا حلّها، حيث يُسمح لـ "حزب الله" بالاحتفاظ بدوره السياسي والعسكري ضمن سقف لا يهدّد أمن إسرائيل.

بالعودة إلى العراق، يمكن توصيف ما جرى بأنه "فوز شكلي بطعم الخسارة السياسية"، فالسوداني لم يخسر مقاعده فحسب، بل خسر معها الزخم الشعبي والقدرة على المناورة داخل بيته السياسي. المرحلة المقبلة ستتطلّب منه، إمّا الانخراط في مشروع وطني متوازن يعيد الثقة بشخصه، وإمّا مواجهة عزلة تدريجية مع تزايد نفوذ الفصائل الموالية لإيران داخل بنية السلطة.