محمد رضا مجاهي

مؤشرات الانهيار من داخل صحافة نظام ولاية الفقيه

4 دقائق للقراءة

‏تكشف قراءة متأنية للصحافة الرسمية في إيران عن مشهدٍ لنظامٍ يتآكل من الداخل، إلى حدّ أنّ جرائده الموالية لأشدّ أجنحته تطرّفاً باتت تعكس، من دون قصد، حالة الشلل الاستراتيجي والتخبّط السياسي وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فما نراه ليس سجالاً سياسياً طبيعياً، بل صدى لـ«حرب ذئاب» في قمة هرم السلطة، فيما يُدفَع المجتمع إلى قاع الفقر والقمع. الصورة التي ترسمها هذه الصحف، رغم كل محاولات التجميل، هي صورة نظامٍ فقد القدرة على حلّ أيّ مشكلة، وبات هو نفسه المشكلة الأساسية.

‏على الصعيد الدولي، يعيش النظام حالة إنكار فاضحة للواقع. صحيفة «كيهان»، لسان حال خامنئي، تعلن صراحة أنّ الاتفاق النووي «ميت» وأنه فقد أي قيمة قانونية بعد انتهاء صلاحية القرار 2231، وأن حصيلته لم تكن سوى قيود إضافية وحرب وعقوبات أشدّ. في المقابل، لا يزال الجهاز الدبلوماسي يتحدّث عن «إحياء» هذه الجثة الهامدة. هذا التناقض الفجّ لا يدل فقط على غياب رؤية استراتيجية موحّدة، بل يفضح الإفلاس السياسي الذي وصلت إليه طهران؛ نظام حشر نفسه في زاوية ضيّقة، متشبّثاً بوهم اتفاق لم يورثه سوى مزيد من العزلة، فيما تستمر القوى الدولية – باستثناء موسكو وبكين – في تشديد الخناق عليه، إدراكاً منها أنّ لغة القوة هي الوحيدة التي يفهمها.

‏في الداخل، بلغت الصراعات بين الأجنحة الحاكمة مستوى غير مسبوق من العداء والتخوين. ما تصفه الصحافة بـ«انعدام الأخلاق السياسية المصحوب بالتخريب» هو في جوهره معركة كسر عظم بين مراكز قوى متناحرة. الهجمات الشرسة التي يشنّها المتطرفون في مجلس الشورى على شخصيات من الإدارة السابقة كروحاني وظريف ليست مجرّد تصفية حسابات، بل تعبير عن خوف عميق من المستقبل ومن بعضهم البعض. إنّها حرب استباقية يخوضها كلّ طرف لإقصاء الآخرين عن دائرة القرار الضيّقة أصلاً. الكلّ يتهم الكلّ بالخيانة والفشل، فيما الحقيقة أنّ النظام برمّته هو تجسيد للفشل والخيانة بحق الشعب الإيراني.

‏يتزامن ذلك مع انهيار اقتصادي شامل يطحن يوميات المواطنين. عناوين الصحف الحكومية نفسها تحوّلت إلى سجلّ مفتوح للكارثة: «عاصفة شاملة تضرب جسد الإنتاج الوطني»، «عودة الكوبونات والفقر البنيوي»، «خسائر البنوك تُسدَّد من جيوب الأمة»، و«تدهور الاستثمار». هذه ليست عناوين دعائية بل اعترافات بأن سياسات النهب والفساد والقمع دفعت الاقتصاد إلى حافة الهاوية. فبينما تعاني الأغلبية من تضخم مفرط وتآكل القدرة الشرائية، تستمر السياسات في خدمة مصالح ضيّقة. أمّا سياسة حجب الإنترنت وتقييد الفضاء الرقمي، التي وصفتها إحدى الصحف بأنها «سياسة ضد الشعب»، فليست سوى مثال على كيف يدمّر النظام مقوّمات الحياة الاقتصادية والاجتماعية خنقاً، في محاولة يائسة لمنع انفجار الغضب الشعبي. والكشف عن وجود أكثر من 78 ألف مبنى غير آمن في طهران وحدها يبدو استعارة بليغة لحال النظام نفسه: بناء متصدّع من الداخل، قد ينهار مع أول هزّة جدّية.

‏الأخطر أنّ أجهزة الحكم أصابها شلل شبه تام. الحكومة تحوّلت إلى منبر لترداد شعارات من نوع «يجب أن نفعل» و«ينبغي علينا»، من دون أي قدرة على الفعل. حتى «كيهان» تسخر من هذه اللغة، متسائلةً عمّن هو مخاطَب هذه «اليجب» إن لم تكن الحكومة نفسها. المسؤولون الذين يُفترض أن يقدّموا حلولاً يكتفون بوصف المشاكل التي كانوا هم سببها. إنّه اعتراف ضمني بالعجز الكامل. وحين تحذّر صحيفة مثل «سياسة روز» المسؤولين بالقول: «إن لم تصلحوا أنفسكم، فالشعب سيصلحكم!»، فهذا يعني أنّ صوت الشارع بات مسموعاً حتى في أكثر أروقة النظام انغلاقاً.

‏الصورة النهائية التي تقدّمها صحافة النظام، من حيث لا تريد، هي صورة نظام في مراحله الأخيرة: محاصر دولياً، ممزّق داخلياً، منهار اقتصادياً ومرفوض شعبياً. صراعات أجنحته لم تعد خلافات سياسية بل معارك بقاء، وفشله الاقتصادي لم يعد مجرّد سوء إدارة بل نتيجة حتمية لطبيعته القائمة على الفساد والقمع. هذه الاعترافات المبطّنة التي تتسرّب من إعلامه ليست إلا دليلاً إضافياً على أن الحلّ الوحيد للأزمة الإيرانية، كما تؤكد المقاومة الإيرانية منذ عقود، لا يكمن في إصلاح هذا النظام، بل في إسقاطه بالكامل على يد الشعب الإيراني وحركته المقاومة المنظّمة.