نايف عازار

لقاء الشرع - ترامب يمهّد لثمار اقتصادية وتفاهمات أمنية

5 دقائق للقراءة
الرئيس السوري بات يتمتع بثقة قاطن البيت الأبيض (الرئاسة السورية)

خطف الرئيس السوري أحمد الشرع الأضواء مجدّدًا عندما وطأت قدماه عتبة البيت الأبيض، في زيارة تاريخية هي الأولى لرئيس سوري منذ استقلال البلاد عن الانتداب الفرنسي عام 1946.

زيارة الشرع حملت في طياتها دلالات رمزية كبيرة، فالرئيس الشاب المتحدّر من جذور إسلامية جهادية متطرّفة، والذي قارع في وقت سابق القوات الأميركية في العراق، قبل أن يقبع في سجونها، ظفر في أقل من عام على تبوئه السلطة بلقاء قائد "العالم الحر"، محققًا بذلك نقلة نوعية وجذرية لبلاده، التي نفضت عنها غبار "محور الممانعة" بقيادة نظام الملالي، وارتمت في أحضان "المحور الغربي"، لتكاد تكون إحدى أبرز حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط الجديد.

لا ريب في أن الرئيس السوري بات يتمتع بثقة قاطن البيت الأبيض، فترامب قالها بالفم الملآن إنه يحبّه، وهو أمر نادر أن يتفوّه به الرئيس الأميركي لأي زعيم عربي. علاوة على ذلك، فإن ترامب تعمّد خلال اللقاء ممازحة الشرع، عندما رش له العطر، بعد ساعات من بث صور للشرع وهو يلعب كرة السلة مع كبار قادة "القيادة المركزية الأميركية"، أعداء الأمس. كل هذه المشاهد هي محاولة جلية من جانب فريق ترامب لاستمالة الشرع أكثر فأكثر من جهة، ومن جهة ثانية لإيصال رسائل إلى قادة دول الشرق الأوسط، خصوصًا المتردّدين منهم، الذين يدورون حتى الآن في فلك المحور الإيراني المتهالك.

بيد أن ممازحة ترامب للشرع لم تُنقل مباشرة أمام عدسات الكاميرات خلال اللقاء، إنما بُثت بعد ساعات، فاللقاء لم يكن منقولًا مباشرة على الهواء ولم يعقبه تصاريح للرجلين، كما يحصل عادة عندما يلتقي قائد سفينة "العمّ سام" زعماء الدول. فضلًا عن ذلك، فإن الشرع لم يدخل البيت الأبيض من بابه الرئيسي الشمالي العريض، بل دخل من جهته الجنوبية. وفي هذا السياق، علمت "نداء الوطن" من مصادر في البيت الأبيض، أن ترامب أراد من دخول الشرع بهذه الطريقة، الموازنة بين الانفتاح عليه، وبين مراعاة الحلفاء والبيت الداخلي الأميركي، خصوصًا أن زيارة "الجولاني السابق" رافقتها في الكواليس، اعتراضات جمهورية وديمقراطية.

لا ريب في أن أولى الثمار التي جنتها دمشق من زيارة الشرع كانت تعليق عقوبات "قيصر" لـ 180 يومًا، ما ينعكس انفراجًا اقتصاديًا للبلاد المتعطشة لتدفق رؤوس الأموال والاستثمارات العربية والغربية. وفي مقابل هذا التعليق، انضمّت "سوريا الشرع" إلى التحالف الدولي ضدّ "داعش"، لكن هذا الانضمام بقي في الإطار السياسي وليس العسكري، وهنا حرص الشرع على المواءمة بين الانفتاح على الغرب وتبادل المعلومات الأمنية معه، وبين الحفاظ على قرار سوريا السيادي، وبالتالي لن تكون دمشق جزءًا من المهمة العسكرية راهنًا.

لا شك أيضًا في أن زيارة الشرع التاريخية، تحمل في طياتها آفاقًا "تطبيعية" مع إسرائيل، أو على الأقل اتفاقًا أمنيًا في بادئ الأمر، إلى حين نضوج الظروف الإقليمية لتوسيع مروحة "اتفاقات أبراهام"، والتي ستُكَلّل بانضمام السعودية إليها. ففي نهاية الأمر، تبقى أولوية الولايات المتحدة القصوى في المنطقة أمن حليفتها المدلّلة إسرائيل، التي تُعتبر قاعدتها العسكرية التاريخية في الشرق الأوسط، وتكاد تكون إحدى ولاياتها. ورغم عدم إعلان أي موقف تطبيعي رسمي بعد لقاء الرجلين في المكتب البيضوي، إلّا أن مجرّد استضافة الشرع رسميًا في واشنطن، تحمل بذور اقتراب الاتفاق الأمني بين عدوي الأمس سوريا وإسرائيل.

الصحف العبرية رأت في زيارة الشرع الأميركية، مصلحة مشتركة للرئيسين الأميركي والسوري، مبقيةً على تحفظاتها ومخاوفها من التحالف الأميركي مع "الجولاني السابق".

محلّل شؤون الشرق الأوسط في "هآرتس" تسفي برئيل، وصف الرئيس الأميركي بالمقامر الذي قرّر وضع كل أوراقه على رهان واحد، هو أحمد الشرع، الزعيم الذي نجح في الاستيلاء على سوريا بسرعة، وربّما على الشرق الأوسط كلّه. وأضاف برئيل أن الشرع هو أوّل رئيس سوري يُستقبل في البيت الأبيض، وكلاهما يدرك اعتماده على الآخر، فنجاح الشرع قد يكون الإنجاز السياسي والاستراتيجي الأهمّ لترامب منذ بداية ولايته، بينما يعلم الشرع أن شرعيته وقدرته على قيادة سوريا تعتمدان على ترامب. واعتبر المحلّل الإسرائيلي أن الشرع لم يجلس وحده أمام ترامب خلال الاجتماع، بل كان يمثل مجموعة من المستثمرين الإقليميين المهمّين، الذين يدين لهم بمنصبه، والذين يمتلكون أدوات تأثير ثقيلة في ترامب، وفي مقدّمة هؤلاء السعودية، التي يقودها فعليًا ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي كان المحرّك الأساسي الذي دفع ترامب إلى الاعتراف بالشرع، وإلى جانبه، تقف الإمارات وقطر وتركيا.

الكاتب في "معاريف" عميت يغور كتب أن الولايات المتحدة ترى في سوريا محورًا جغرافيًا مهمًا في البنية الإقليمية الجديدة التي تسعى إلى تشكيلها، لكن من الواضح أن لدى الجميع مشكلة مع الرئيس السوري بحد ذاته. فالشرع، بحسب يغور، المعروف أيضًا بالجولاني، تبيّن أنه استراتيجي بارع، لكن أهدافه غير واضحة، ولا يعلم أحد ما إذا كان تخلّى حقًا عن نهج الإرهاب. وأضاف الكاتب الإسرائيلي أنه حتى بعد انضمامه إلى التحالف ضدّ "داعش"، لم يوضح نيّته، إذ لا يزال رجاله "يذبحون" الأقليات في سوريا تحت رايات جهادية متطرّفة. وأوضح الكاتب أنه بالنسبة إلى دمشق، الرغبة في التقدّم مفهومة والمصلحة العليا هي "تبييض صورة النظام"، أي نيل الشرعية الدولية التي تسمح بإعادة إعمار الدولة. ولتحقيق ذلك، بحسب الكاتب، لا بدّ من رفع العقوبات وجذب الاستثمارات، لكن العقبة الرئيسية هي إسرائيل، التي تعارض اعترافًا أميركيًا واسع النطاق بالنظام السوري الجديد، خصوصًا أنه تحت الوصاية التركية.