ريتا عازار

بين اللبناني والوقت

قصة حب طويلة قد تتأخر "خمس دقايق"

6 دقائق للقراءة

للزمن في لبنان قوانين خاصة لا تسري على بقية كوكب الأرض. فاللبناني لا يعيش على التوقيت الشرقي ولا الغربي، بل وفق توقيت ثالث أطلق عليه بعض الحكماء المحليّين اسم "توقيت الخمس دقايق". هي دقائق سحرية تتسع لكلّ شيء ولا تنتهي أبدًا. دقائق يمكن أن تحتوي فنجان قهوة، ومكالمة مع الخالة، واستحمامًا سريعًا، وجلسة قصيرة في زحمة السير. فإذا قال لك اللبناني: "خمس دقايق وبكون عندك"، فاعلم أنه لم يغادر بيته بعد، لكنه صادق النيّة من حيث المبدأ.

في البلدان الأخرى يُقاس الزمن بالساعات والدقائق، أما في لبنان فيُقاس بالمزاج والظروف الجوية. هناك "الوقت الكهربائي" الذي يبدأ وينتهي بانقطاع التيار وعودته، و"الوقت المزاجي" الذي يخضع لحالة القلب والكافيين، و "وقت الزحمة" الذي لا يمكن التنبؤ به إلا بإلهام سماوي. اللبناني لا يرى الزمن متتابعًا كما في كتب الفيزياء، بل يراه متقطّعًا مثل الكهرباء نفسها: ومضةُ نشاطٍ يتبعها انقطاع طويل وتأمل وجودي في الفراغ.

وقد حوّل اللبناني التأخير إلى فن عريق يستحق التدريس في الجامعات. فإذا تأخر عن موعد، لا يعتذر، بل يلقي خطبة تحليلية عن الأسباب:

"يا خيّي، ما بتتخيّل العجقة اليوم"، أو "كنت نازل بس الكهربا انقطعت والموتور زعل"، أو تلك الجملة السحرية التي تُغسل بها كل الذنوب: "طلعت من البيت بس رجعت آخد الموبايل".

وهكذا، يعيش اللبناني في مصالحة تامة مع الزمن، يتصرّف وكأن الدقائق مُلك شخصي يمكن تمديدها كخطة تقسيط. فلا عجلة ما دام الجميع متأخرين بالتساوي.


مأساة عصرية

في بلدنا الذي يمكن للموعد فيه أن يتأخر أكثر من قطار مسرحية "المحطة" لفيروز، يولد أحيانًا شخصٌ مسكين يظن أن الثامنة صباحًا لحظة حقيقية لا فكرة رمزية. هذا الكائن الفريد يُعرف باللبناني الملتزم بالمواعيد، وهو أشبه بحارسٍ متقاعدٍ للزمن، يحمل ساعته كمن يحمل سلاحًا في معركة خاسرة.

يغادر بيته قبل الموعد بثلاثة أرباع الساعة، يصل قبل الجميع، ويجلس في المكان كتمثالٍ للانضباط وسط فراغٍ مترف. يطلب قهوته، ينظر إلى ساعته، ثم يبدأ في عدّ الكراسي الفارغة كمن يُحصي ضحايا الدِّقة في المواعيد.

وحين يبدأ الآخرون الوصول واحدًا تلو الآخر، تتوالى المبرّرات الأسطورية: زحمة، كهربا، مطر، كلب قطع الطريق! فيبتسم صاحبنا ابتسامة الحكيم الذي أدرك أن الالتزام بالوقت في لبنان يشبه وضع ربطة عنق في حفلة "باربكيو". وفي النهاية يُعاقَب هذا البطل المسكين بعبارةٍ تُقال مازحةً لكنها تلسع: "إنت بعدك بتوصل عالوقت؟ يا لطيف، ما تعذب حالك!"


غداء في غير وقته

من أبرز تجليات العبقرية اللبنانية في التعامل مع الزمن، ما يحدث في دعوات الغداء أو العشاء. فحين يقال إن الموعد عند الواحدة، يدرك الجميع بالفطرة أن الحضور الحقيقي يبدأ عند الثانية والنصف. أما الضيف الذي يجرؤ على الوصول في الوقت المحدَّد فيُنظر إليه وكأنه اقتحم المطبخ قبل أن ينضج الطبق.

تبدأ الأعذار الدافئة من "كنا ناطرينك لنبلّش الأكل"، أو "قلنا يمكن تتأخر متل العادة". وهكذا يتحوّل التأخير الجماعي إلى طقس اجتماعيّ محبَّب، تُقاس فيه الألفة بعدد الدقائق المهدورة لا بالدقة في المواعيد.


الأوروبي الضائع

حين يأتي الأوروبي إلى لبنان، يشعر أنه انتقل من عصر الساعات السويسرية إلى عصر الساعة الرملية. الأوروبي الذي يقيس حياته بالدقائق المبرمجة يضيع وسط شعبٍ يقيس الزمن بالنيات.

يُحدَّد موعد الاجتماع مثلًا عند العاشرة صباحًا، فيصل الضيف عند التاسعة وخمسٍ وخمسين دقيقة، منتعشًا بالقهوة ومستعدًا للعمل. تمرّ عشر دقائق، نصف ساعة، ثم ساعة. لا أحد.

يبدأ الرجل بالقلق، يتفقد هاتفه ليتأكد أنه في اليوم الصحيح. وأخيرًا يدخل اللبناني المبتسم، بكل هدوء، ليقول عبارته الخالدة: "ما بتتخيّل العجقة كيف كانت اليوم".

يبتسم الأوروبي بأدبٍ مصطنع، لكن في داخله سؤالٌ يغلي: كيف يمكن لبلدٍ صغير أن يحوي كل هذا الوقت الضائع؟

وبينما يحاول فهم فلسفة "خمس دقايق"، يكتشف أن الساعة في لبنان ليست أداةً لقياس الزمن، بل أكسسوار اجتماعي يُستعمل للتجميل ليس أكثر.


كذبات السير الكبرى

من أجمل المظاهر التي تُبرز عبقرية اللبناني في التعامل مع الوقت، تلك الكذبات الصغيرة التي يختلقها لتبرير التأخير، خصوصًا عند الحديث عن زحمة السير.

الكذبة الأولى والأشهر: "أنا علقان، الطريق مسكّر كليًّا".

تسمعها في الصيف حين الطرقات شبه خالية، وفي الشتاء حين تكون الزحمة فعلًا موجودة، لكنها تبقى الجواب الجاهز لكل تأخير.

الكذبة الثانية: "أنا هلّق ع الإشارة"، بينما هو لا يزال في المطبخ يبحث عن مفاتيحه.

أما الثالثة فهي الأشهر على الإطلاق: "كنت رح أوصل، بس في حادث قدّامي". حادث غامض لا يراه أحد سواه، يتكرر في أماكن مختلفة بنسبة مذهلة من الحدوث اليومي.

وقد يضيف اللبناني لمسته الدرامية فيصف المشهد وكأنه مراسل ميداني: "يا خيّي، كميون واقع، والدرك سكّروا الطريق، العالم عم تتخانق!"، بينما في الواقع يكون لا يزال "يمزمز" القهوة.

الغاية ليست الكذب، بل تجميل التأخير بلمسة بطولية تجعلك تصدّق أنه ضحية وليس مذنبًا.


فن للنجاة

ربما لأن الحياة في لبنان متقلّبة إلى حد الفوضى، طوّر الناس مرونتهم الزمنية كآلية للبقاء. فالالتزام بالوقت في بلدٍ تتغيّر فيه الأحوال كل لحظةٍ أشبه بمحاولة ضبط الموج.

اللبناني يعرف أن الكهرباء قد تنقطع في أي لحظة، وأن المولّد قد ينهار فجأة، وأن الطريق الذي كان مفتوحًا قبل ساعة قد يُغلق بتحرّكٍ عابر. من هنا صار الوقت عنده نسبيًّا، لا لأنه لا يحترمه، بل لأنه لا يثق به. ولأن كل شيءٍ مؤجَّل في هذا البلد، تعلّم أن يتأقلم مع التأجيل نفسه، فصارت "الخمس دقايق" فلسفة صبرٍ ومرونةٍ، لا كسلًا ولا إهمالًا.


الزمن بين الجد والهزل

ومع كل هذا العبث الزمني، يحتفظ اللبناني بخفة ظلّ نادرة. فهو يسخر من نفسه قبل أن يسخر منه الآخرون، ويحوّل تأخيره إلى نكتةٍ يتداولها مع أصدقائه. قد يقول أحدهم: "أنا لبناني أصيل، بوصل مأخر بس بحضور قوي"، أو "المهم نجي، مش المهم أيمتى". وهكذا تتحول الفوضى إلى أسلوب حياةٍ لطيفٍ يخفف وطأة الضغوط اليومية.

والمفارقة أن الأمور تسير رغم كل هذا الخلل في المواعيد: فالأعراس تبدأ متأخرة لكنها تنجح، والاجتماعات تتأجل ثم تُعقد، والمشاريع تتعثر ثم تُنجز بطريقةٍ ما. كأن الزمن في لبنان يتمتع بمرونةٍ سحريةٍ تتيح له التمدّد والانكماش بحسب المزاج العام.


"خمس دقايق" من الفلسفة

قد يبتسم القارئ وهو يقرأ هذا الكلام، لكن وراءه حقيقة صغيرة: اللبناني لا يكره الوقت، بل يحبّه على طريقته الخاصة. إنه لا يركض خلفه لأنه يعرف أن الركض عبث، في بلدٍ تتغير فيه الظروف أسرع من عقارب الساعة. ولعلّ تلك "الخمس دقايق" التي يسخر منها الجميع هي تعبير رمزي عن روحٍ تأبى أن تُهزم، عن إنسان قرّر أن يعيش وقته بمرونة حتى لا يختنق في واقعٍ خانق.

ومن يريد أن يفهم اللبناني، عليه ألّا يراقب ساعته، بل أن يراقب ضحكته حين يتأخر. حينها فقط سيُدرك أن الزمن عنده ليس مجرّد حركة عقربٍ على قرصٍ معدني، بل أسلوب حياةٍ يُدار بالنكتة، وتُقاس دقائقه بكمية الصبر والأمل، لا بالثواني.

وربّما لو اخترعوا ساعة "لبنانية"، لكانت عقاربها "تمشي" على مزاج القهوة، وتتوقف "خمس دقايق"... كلّ ربع ساعة. وتقول لك حين تسألها عن الوقت: "ولا يهمّك... بعد في وقت".