جويل غسطين

أمسية من أغنيات الماضي بروح الحاضر... روي الخوري أعاد النبض إلى الكلاسيكيّات الفرنسية

6 دقائق للقراءة

على الرغم من تغيّر الأذواق الموسيقية وتبدّل الاتجاهات الفنية بين الأمس واليوم، أصرّ المخرج روي الخوري على ردّ الاعتبار للأغنية الفرنسية الكلاسيكيّة في أمسية مميّزة تحت عنوان "Les Géants de la Chanson Française"، معيدًا من خلالها إلى الواجهة إرثًا موسيقيًا وغنائيًّا ترك بصمته في ذاكرة أجيالٍ متعاقبة. الأمسية التي استضافتها "صالة السفراء" في "كازينو لبنان" مساء 15 تشرين الثاني الجاري، أحياها الفنانان ماتيو الخضر وأندريا بو نعمة، بمشاركة "الظاهرة الفنيّة" باسم فغالي في فقرات مميّزة ولافتة.

كانت السهرة استثنائية والتجربة الفنية غامرة، أعادت الجمهور إلى العصر الذهبي للأغنية الفرنسية في رحلة عاطفية مشبعة بالإحساس، أعدّها الفنان والمخرج روي الخوري واحتضنتها الصالة التي لطالما شهدت مع مسرح "الكازينو" حضور عمالقة الزمن الجميل، اللبنانيّين منهم كما العرب والغربيّين.

منذ اللحظات الأولى لانطلاقة العرض الغنائيّ الراقص، بدا أشبه بمسرحيّة موسيقيّة مكتملة العناصر، حيث تمازج الغناء الحيّ مع الاستعراض والسّرد البصري في تناغمٍ مدروس، فتحوّلت الأغنيات الكلاسيكيّة إلى لوحات نابضة بالحياة أعادت إلى الأذهان سحر الأغنية الفرنسيّة وتألقها الذي لم يغادر الذاكرة والوجدان بمرور الزمن.

اعتمد الخوري في الإخراج على تفاعل الجمهور كجزء أساسي من التجربة، فالأمسية، كما وصفها لـ "نداء الوطن"، "لا تُشاهد فحسب، بل تُعاش بكامل الحواس". وقد تضمّنت، إلى الغناء، فقرات راقصة مستوحاة من الـ "French Cancan" والـ "Folies Bergère"، إلى جانب إسقاطات بصرية مبتكرة. حتى التنقل بين الأغنيات صُمّم بعناية، ليجعل من كلّ مشهد جزءًا من حكايةٍ واحدة تحتفي بالموسيقى والحركة والضوء.


تكريم عمالقة الأغنية الفرنسية

اختار فريق العمل أن يجعل من أمسية "Les Géants de la Chanson Française" تحيّة خاصة واستذكارًا لعمالقة الأغنية الفرنسية الذين شكّلوا مصدر إلهامٍ لا ينضب وحجر أساس في التاريخ الفني الفرنسي والعالمي. فكان التكريم موجّهًا إلى نخبة من الأسماء أبرزها: إديت بياف بصوتها المتمرّد الجبّار، وشارل أزنافور الذي صاغ بالكلمة واللحن حكايات عن الحبّ والفقد والحياة، وداليدا رمز الأنوثة المضيئة بالحزن، وجو داسان بصوته الدافئ المفعم بالحنين، كذلك جيلبير بيكو، وفرنسواز هاردي، وشارل ترينيه، الذين منحوا الأغنية الفرنسية بعدًا جديدًا بين الرهافة والجرأة.

بالنسبة للمخرج روي الخوري يجسّد هؤلاء الفنانون قلب الأغنية الفرنسية وروحها، "فهُم لا يمثلون مجرّد أصواتٍ شهيرة في ذاكرة الموسيقى، بل رموزًا لعصر ذهبيّ من الصدق الفني والعمق الإنساني". موسيقاهم تتجاوز حدود اللغة والزمن، لتلامس جوهر المشاعر الإنسانية ببساطتها وصدقها، على حدّ تعبيره، وتبقى قادرة حتى اليوم على لمس القلوب أينما كان الجمهور، لأنها تعبّر عن الإنسان في كل حالاته: حبّه، حزنه، ضعفه، وشغفه بالحياة.


بين الحنين والتجديد

وعلى الرغم من أن الأغنية الفرنسيّة المعاصرة لم تعد تتصدّر اهتمامات الجمهور اللبناني كما كانت في العقود الماضية، يؤمن الخوري أن الكلاسيكيات لا تموت، بل تحتفظ بأناقتها وجمالها الشعري الذي يستحق أن يُعاد اكتشافه. من هذا المنطلق، جاءت فكرة تقديم هذه الأمسية بأسلوبٍ يمزج بين الأصالة والتجديد، عبر الإيقاعات الحيّة التي قدّمها "DJ Marc" والتي أضفت طابعًا عصريًا نابضًا، ومن خلال إخراج بصريّ متخصّص أعاد إحياء الماضي برؤية حديثة.


اختيارات مدروسة

اختيار الأغنيات والفنانين المشاركين في إحياء الأمسية، جاء نتيجة رؤية فنية دقيقة لم تترك أي تفصيل للصدفة، إذ اعتمد روي الخوري على مزيجٍ من الذوق الموسيقي والحدس الفني لاختيار كلّ عنصر في العرض، من المقاطع الغنائية إلى التوزيع المسرحيّ والموسيقيّ. في هذا السياق، اختير الفنانان ماتيو الخضر وأندريا بو نعمة لِما يمتلكانه من قوّة صوتية وأناقة في الأداء وحضورٍ مسرحي قادر على إحياء كلاسيكيات الأغنية الفرنسيّة بأصالةٍ تحترم روحها الأصلية، مع إضافة لمساتهما الشخصية التي منحت تلك الأغنيات نكهة معاصرة. وقد روعيَ في اختيار الأغنيات أن تُبرز كلّ منها شخصيّة كلّ فنان وقدراته الصوتيّة، بحيث تتكامل لتقدّم لوحة موسيقيّة متناغمة تمنح الجمهور تجربة تجمع بين القديم والعصرية.


إحياء الصلة مع الفرنكوفونية

في ختام الأمسية، بدا المشهد أقرب إلى جسرٍ بين زمنين: الماضي والحاضر، وإلى استعادة نبيلة لنبض الموسيقى التي شكّلت وجدان أجيال كاملة، ووصلًا بين الذاكرة والواقع، في عرضٍ تقاطع فيه الشجن مع البهجة، والحنين مع الأناقة، والفن مع الحياة.

بهذا المعنى، جاء الاحتفاء بالموسيقى الفرنسية ليس فقط استذكارًا لعصر ذهبي، بل أيضًا كتجربة تفاعليّة حيّة ربطت الجمهور اللبناني بالفرنكوفونية، وأعادت تعريف الأجيال الجديدة بجماليّات الأغنية الفرنسية وثرائها العاطفي، فكانت أمسية "Les Géants de la Chanson Française" جسرًا حقيقيًا بين الوجدان والروح، وبين التراث والابتكار. وأثبتت أن الفن الحقيقي لا يشيخ، بل يجدّد نفسه مع كل جيل يعيد اكتشافه. وهكذا، فالأغنية الفرنسية التي كانت جزءًا من تاريخ الأجيال السابقة، تستمرّ في تلمُّس طريقها إلى قلوب الجيل الحالي بقوالب متجدّدة، وتبقى الموسيقى لغة عالمية توحّد البشر عبر جمالها وصدقها.


 

مشاركة مميّزة لباسم فغالي

أثرت مشاركة "الظاهرة الفنيّة" باسم فغالي أمسية "Les Géants de la Chanson Française"، فأضاف حضوره المتقن وعروضه الممتعة لمسة من الفكاهة والأناقة في آن على العرض. فغالي قال لـ "نداء الوطن" إن مشاركته جاءت نتيجة تقديره التجارب الفنيّة السابقة الناجحة التي جمعته بروي الخوري، بالإضافة إلى حبّه الشخصي للأغنيات الفرنسية، واختياره الأعمال التي تناسب شخصيته وأسلوبه الفني. أضاف فغالي أن الوقوف على مسرح "كازينو لبنان" يمنحه شعورًا بالرّهبة والمسؤولية، ما دفعه إلى تكريس وقت إضافي للتدريب والتحضير لضمان تقديم أداء يليق بعظمة الأمسية وطابعها المميز. وبالفعل فقد تمكّن الفنان المبدع بأسلوبه المبتكر وحضوره المسرحي الفريد، من أن يشكّل إضافةً على العرض، حيث جمع بين خفة الظل والاحترافية، ما ساعد في منح الجمهور لحظات مزجت الفن بالترفيه، وأضفت على السهرة حيويّة وتفاعلًا، وجعلتها أكثر متعة وثراءً بصريًّا وفنيًّا.




مشهدية راقصة



الفنان ماتيو الخضر