الدكتور سايد حرقص

​​عندما يصبح الخوف وقودًا للولاء

5 دقائق للقراءة

​منذ وقف إطلاق النار بعد حرب الإسناد الفاشلة، يُطرح همسًا وعلنًا سؤال واحد: لماذا يُصر جزء من اللبنانيين على الدفاع عن سلاح "حزب الله"، رغم مسؤوليته الفعلية في تعطيل الدولة، واستنزاف الاقتصاد، وزعزعة الاستقرار وتهجير أبنائهم إلى بلاد الله الواسعة؟

​للإجابة على هذا السؤال يجب دراسة ثلاث دوائر اجتماعية–سياسية تشكّل قاعدة دعم للحزب:

١- ​البيئة الشيعية الحاضنة التي تخشى فقدان القوة والعودة إلى زمن الحرمان.

٢- ​اليسار اللبناني الذي يرى في الحزب امتدادًا لمشروع أهدافه القديمة.

٣-​القوى التي استفادت من الاحتلال السوري والتي تعتبر الحزب استمرارًا لشبكات الحماية والمصالح التي نمت وكبرت في ظلها.

​قامت العقيدة السياسية الحديثة عند الطائفة الشيعية على مبدأ "المحرومين" والمطالبة بالعدالة الاجتماعية. وكان ذلك من خلال ذاكرة جماعية تعتبر أن الدولة ليست ملجأً، وأن الأمن الذاتي شرط وجود. وقد عبر الرئيس بري في الذكرى السادسة والعشرين لتغييب الإمام الصدر عن هذا الموضوع بقوله: "قبله، كنا نتقن الشخوص أمام الأطياف، ونعبد أوثان البكوات، وكنا نخاف أن نجاهر بترابنا وبزرعنا وبغلالنا. قبله، كنا ممنوعين من الاجتماع والتجمع، وكنا ممنوعين من الصرف، كنا كلمات مجرورة فارغة دون نقاط، وكنا علامة استفهام ميتة في آخر الكلام."

​أعطى استثناء "حزب الله" من تسليم سلاحه بعد الطائف، نتيجة تسوية أميركية- إيرانية- إسرائيلية - سورية، جرعة تميُّز عند أبناء الطائفة، مما شجع الكثيرين على الانتماء إليه. قدَّم الحزب نفسه بوصفه: الحامي للطائفة في وجه التهديدات، والبديل عن الدولة الغائبة. ومع الوقت أصبحت معادلة البيئة الشعبية بسيطة: «إذا ضعف الحزب، فسيستقوي على الشيعة الآخرين… وإذا سقط الحزب، سنعود إلى الهامش.» هذه المعادلة باتت بنية ذهنية ثابتة في اللاوعي الجماعي للشيعة. وهي تفسّر لماذا تُقرأ أي مطالبة بنزع السلاح كاستهداف للطائفة نفسها، لا للحزب.

​من جهة ثانية، نشأ اليسار اللبناني على مبادئ أساسية منها: مقاومة إسرائيل، نصرة القضايا العربية، مواجهة «الاستعمار الغربي»، ودعم القضية الفلسطينية. لكن انهيار الاتحاد السوفياتي، وتحوّل المنطقة إلى صراعات مذهبية، جعل اليسار بلا مشروع فعلي. في هذا الفراغ، رأى اليسار في "حزب الله": آخر من يرفع شعار “المقاومة”، آخر من يواجه إسرائيل، وآخر من يتحدّى الهيمنة الغربية. وهكذا حصل تقاطع رمزي بين يسارٍ مشرذم باتت أغلبية مفكريه ضائعين يحملون لافتة للإيجار، وحزب يمتلك فائض قوة وسلطة ومال. لكن هؤلاء لو حكموا عقولهم واستفادوا من التجربة الإيرانية لظهرت النتيجة بوضوح: «في إيران بدأ اليسار مثل اليسار اللبناني… وانتهى بلا يسار.» لأن التحالف مع سلطة ثيوقراطية دينية شمولية يؤدي دائمًا إلى ابتلاع الأضعف.

​ومن جهة ثالثة، نشأت أحزاب وشخصيات وزعامات خلال فترة الاحتلال السوري على ثقافة: القوة في التبعية الخارجية. هذه القوى عرفت نفوذًا لم تكن لتحصل عليه في دولة فعلية. ما إن خرج جيش الاحتلال السوري حتى شعرت تلك القوى بأنها عادت إلى حجمها الطبيعي… لكن "حزب الله" أتاح لها من جديد مظلة حماية، مساحة نفوذ، وقدرة على مواجهة خصومها الداخليين. وهكذا صار الحزب البديل العملي للاحتلال السوري. بالنسبة لهذه الفئة، لا يعني السلاح “مقاومة إسرائيل”، بل حماية موقع سياسي، حماية ثروات، واستمرار شبكات المحسوبيات.

​بعد تفكيك الفئات الثلاث، يبقى السؤال:

​لماذا يدافع أفراد من بيئات متناقضة فكريًا وأخلاقيًا عن حزب لا يمثّل قيمهم؟ الجواب بحسب نظريات علم النفس: التوحد بالمعتدي. عندما يعيش الفرد في بيئة فيها دولة غائبة، سلطة غامضة، قوة مسلّحة تتحكم في مصيره، ومجتمع منقسم وخائف، يبحث عن حماية في أقوى جهة موجودة… حتى لو كانت هي نفسها مصدر التهديد. هذه الآلية تفسّر كيف يمكن:

- ​لصحافية عصرية ترتدي آخر صيحات الموضة أن تدافع عن حزب يهدف الى فرض الشادور على النساء كما يحصل في إيران.

- لراهبة مسيحية أن تبرّر سلاحًا يرى في عقيدتها “نجاسة” وكفر.

- لشيخ سنّي أن يبرّر مشروعًا يعتبره “منحرف العقيدة”.

هؤلاء لا يتبنون مشروع الحزب… بل يتبنون قوته. هي علاقة تبعية نفسية قبل أن تكون سياسية.

​بسبب ضعف الانتماء الوطني، توحدت فئات مختلفة في الولاء لقوة واحدة، فتحول البلد إلى “دولة معلّقة على سلاح”، لا على دستور، ويتحول النقد إلى خيانة، والانتخابات إلى مسرحية، والاقتصاد إلى رهينة مرتبطة بمعادلات خارجية. هذا النموذج لا ينتج دولة بل ينتج اعتمادًا قهريًا على سلاح واحد.

​ظاهرة الولاء ل"حزب الله" ليست سياسية فقط، بل نفسية–اجتماعية–تاريخية. والخروج منها يتطلّب انتماء وطنياً قوياً قادراً على تفكيك بنية الخوف والتبعية والوهم التي تغذيها غريزة البقاء في ظل قوة مسيطِرة، لا في ظل دولة عادلة.

​وإلى أن يتحرّر اللبناني من وهم «التوحد بالمعتدي»، سيبقى الوطن معلقاً في مهب حروب ومصالح الأمم إلى ما شاء الله.