بعد أكثر من ثلاثة عقود على انهيار الاتحاد السوفياتي، تبلورت ملامح النظام العالمي في منظومة تجدد القيادة الأميركية. ففي عهد الرئيس دونالد ترامب، تطورت السياسة الخارجية لواشنطن من نهج التدخل المباشر إلى مفهوم القيادة الاستراتيجية، الذي يمكّن الفاعلين الإقليميين من تحمّل مسؤولية أمنهم وترتيباتهم السياسية ضمن رؤية أميركية شاملة. وفي الشرق الأوسط، سرّع هذا التحوّل من وتيرة التغيّرات في ميزان القوى الإقليمي، لا سيّما بين إسرائيل وتركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وإيران، بينما أتاح للبنان فرصًا وتحدياتٍ ملحّةً لتجديد كيانه الوطني. وفي هذه اللحظة الحاسمة، على اللبنانيين، ولا سيّما الشباب، أن ينهضوا للمشاركة الإيجابية والبناءة في التفاعل مع النظامَين الإقليمي والعالمي المتحوّلين، لتحويل الوعي إلى فعل، والرؤية إلى إصلاح. فالوقت يداهم، وعلى لبنان أن يتحرك بسرعة للاستفادة من الدعم الأميركي الراهن قبل أن تُغلق نافذة الفرصة.
عالم ما بعد الحرب الباردة: جدل النظريات
شهد العالم بعد الحرب الباردة نقاشًا حادًّا حول طبيعة النظام الدولي الناشئ، حيث تنافست أربع نظريات كبرى لتفسير ملامحه. رأى فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" انتصارًا للديمقراطية الليبرالية بوصفها المرحلة النهائية لتطور السياسة البشرية. بينما توقع صموئيل هنتنغتون في "صدام الحضارات" أن النزاعات المستقبلية ستنبع من الانقسامات الثقافية والدينية. أما توماس فريدمان، فاعتبر في نظريته حول العولمة، أن الاعتماد المتبادل المتزايد بين الأسواق والتكنولوجيا، سيُضعف أهمية الحدود والأيديولوجيات. وفي المقابل، قدّم روبرت كابلان في "الفوضى القادمة" رؤية أكثر تشاؤمية، محذرًا من أن انهيار الدول وشحّ الموارد والضغوط الديموغرافية، سيولّد عدم استقرار وصراعات في العالم النامي، متحدّية بذلك تفاؤل مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ومع مرور ثلاثة عقود، أصبح واضحًا أن النظام الدولي قد استقر حول ثابتٍ واحد: تجدد القيادة الأميركية في العالم على المستويات العسكرية والاقتصادية والأيديولوجية. وتتناول هذه الورقة كيف أن هذه القيادة، التي أعاد الرئيس ترامب تنشيطها، تعيد رسم الأنظمة الإقليمية، خصوصًا في الشرق الأوسط، وما الذي تعنيه هذه التحوّلات لمستقبل لبنان.
أولًا: إعادة تأكيد القيادة الأميركية في عالمٍ مضطرب
في السنوات التي تلت الحرب الباردة، وُصفت الهيمنة الأميركية بأنها "أحادية القطب". غير أن بدايات القرن الحادي والعشرين شهدت تحديات متصاعدة لهذه الهيمنة، بدءًا من الصعود الاقتصادي الصيني إلى السياسة الخارجية الروسية الأكثر حزمًا، وصولًا إلى تعدد مراكز القوى في السياسات الإقليمية. وفي عهد الرئيس ترامب، أعادت الولايات المتحدة رسم معايير استراتيجيتها العالمية، منتقلةً من نهج بناء الدول وتغيير الأنظمة إلى نموذج القيادة الاستراتيجية، الذي يقوم على تشكيل الديناميكيات الاستراتيجية، وتمكين الحلفاء، وردع الخصوم، من دون التورط في تعقيدات محلية.
يتجلى هذا التغيير على جبهاتٍ متعددة. ففي أميركا الجنوبية، تسعى السياسة الأميركية إلى إعادة تشكيل الديناميات السياسية والأمنية والاقتصادية. وفي أوروبا، تواصل واشنطن اعتمادها على التعاون عبر الأطلسي من خلال حلف الناتو، مع الحفاظ على موقفٍ حازم تجاه روسيا. وفي الشرق الأقصى، توازن الدبلوماسية الأميركية بين الردع والانخراط مع الصين وكوريا الشمالية، فيما تعزز علاقاتها مع حلفائها عبر منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وتكشف هذه الجهود عن رؤية استراتيجية متماسكة: الحفاظ على الاستقرار بقيادة أميركية من خلال النفوذ والشراكة، لا عبر التدخل المباشر.
ثانيًا: الشرق الأوسط مختبر النظام الجديد
يبقى الشرق الأوسط المسرح الأوضح لاختبار هذا النهج الجديد. فمن المشرق إلى الخليج العربي، تُعيد القيادة الأميركية رسم المشهد الإقليمي عبر الدبلوماسية والردع والشراكات. وقد أرست اتفاقات أبراهام علاقاتٍ طبيعية بين إسرائيل وعددٍ من الدول العربية، فاتحةً آفاقًا غير مسبوقة للتعاون. كما أن اتفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا وتركيا، إلى جانب الضربة الأميركية ضد منشآت إيران النووية، واتفاق غزة، كلها تعكس استراتيجية أميركية أوسع تقوم على تحقيق الاستقرار من خلال الاصطفاف لا الهيمنة المباشرة.
يتيح هذا النمط الجديد من القيادة للفاعلين الإقليميين تحمّل المسؤولية ضمن المظلة الاستراتيجية الأميركية. فإسرائيل وتركيا والمملكة العربية السعودية ومصر، وهي القوى الأربع المحورية، باتت أطرافًا رئيسية في صياغة النظام المشرقي الجديد. ولم تعد واشنطن تُدير التفاصيل اليومية، بل أصبحت محركًا ومسهّلًا للتوازن الإقليمي عبر النفوذ والتمكين.
ثالثًا: الإطار السياسي - العسكري (Pol-Mil): مجالات السيطرة والنفوذ والاهتمام
لفهم التحوّلات بين إسرائيل وتركيا والسعودية ومصر، من المفيد اعتماد إطار التحليل السياسي - العسكري الذي يقسّم المجالات إلى ثلاث دوائر:
مجال السيطرة: حيث تمارس الدولة سلطتها المباشرة باستخدام أدوات قوتها (العسكرية والسياسية والاقتصادية).
مجال النفوذ: ويشمل المناطق التي تستطيع الدولة التأثير فيها عبر أدوات غير مباشرة كالدبلوماسية والردع والعملاء.
مجال الاهتمام: يمتد إلى المناطق التي تُراقَب عن كثب لما لها من أثر محتمل على المجالَين السابقين.
بعد هجمات السابع من تشرين الأول، تغيّرت هذه المجالات جذريًا. فقد امتد مجال السيطرة الإسرائيلي إلى أجزاء من سوريا ولبنان وغزة، وتوسّع مجال نفوذه ليشمل معظم العالم العربي وحتى إيران، بينما يمتد مجال اهتمامه إلى تركيا وما بعدها. كما زاد إدماج الذكاء الاصطناعي والتقنيات السيبرانية من قدرة إسرائيل على التأثير عبر هذه المجالات.
أما تركيا والسعودية ومصر، فتعمل بدورها على إعادة تموضعها. فتركيا تفاوض بدبلوماسية واقعية، فيما تكرّس السعودية مكانتها كمحور سياسي واقتصادي. أما مصر، فتعاود الظهور كفاعلٍ موازن من خلال انخراطها الدبلوماسي للحفاظ على الاستقرار في المشرق. إن التفاعل بين هذه القوى يرسم ملامح البنية المشرقية الجديدة تحت المظلة الأميركية.
رابعًا: لبنان عند مفترق طرق، أزمة مستمرة والحاجة الملحة للإصلاح
لبنان اليوم يقف على مفترق طرق حاسم، وسط تحوّلات إقليمية عميقة لا يمكن تجاهلها. سواء كانت تهديدًا أم فرصة، فإن ميزان القوى الإقليمي يتشكّل أمام أعيننا، والولايات المتحدة، في ظل إدارتها الحالية، تفتح نافذة للتوافق بين مصالحها الإقليمية ورؤية لبنان للاستقرار. لكن الحقيقة المؤلمة هي أن لبنان ما زال يغرق في فوضى سياسية مؤسسية.
وخلال الأيام الماضية، استوقفني حدثان كشفا عمق الأزمة المؤسسية: اعتراف رئيس الحكومة نواف سلام بموقفه السابق إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية ضد الدولة اللبنانية، وإعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري أن مناقشات قانون الانتخابات يجب أن تتم "على المستوى السياسي" خارج المؤسسات الرسمية.
اعترف سلام بما فعله، وهو اعتراف نادر وله دلالة رمزية، لكنه لا يمحو الضرر الذي تسبب فيه تحالف بعض اللبنانيين مع القوى الخارجية على حساب الدولة. هذه التحالفات سرّعت انهيار النظام اللبناني ومكّنت ميليشيات مسلحة مدعومة من الخارج، وما زالت تدفع لبنان نحو الفوضى. والرحمة لشهداء الجيش اللبناني عام 1973 وجوزيف أبو عاصي، أول شهيد للجبهة اللبنانية.
وبينما تحالف البعض سابقًا مع منظمة التحرير الفلسطينية، يتحالف آخرون اليوم مع إيران، والدولة عاجزة عن حماية سيادتها، وكأن التاريخ يعيد نفسه. ويمكن تخيل قائد مستقبلي، ربما "نواف بري 2075"، يقدم اعتذارًا متأخرًا عن أخطاء اليوم.
وفي ظل هذا الوضع، أصبح البرلمان مجرد هيئة شكلية، ويعكس إعلان بري تآكل المؤسسات الدستورية الذي دفع لبنان نحو الفوضى. ويرتبط كل ذلك بخلل هيكلي أعمق: نظام مركزي غير متوافق مع التنوع الطائفي، يمنح أي جماعة تسيطر على الدولة القدرة على فرض هيمنتها، كما شهدنا عبر دورات الهيمنة الفلسطينية والسورية والإيرانية.
والحل يكمن في اعتماد نموذج فدرالي يحمي المؤسسات ويوازن القوى.
اليوم، لبنان بحاجة إلى مشروع وطني واضح، يعيد بناء الدولة على أسس مؤسساتية متينة، يرتكز إلى فدرالية حقيقية، واستعادة سلطة المؤسسات، ورفض الدبلوماسيات الموازية، ومنع أي طائفة من الهيمنة.
الحدثان الأخيران ليسا عابرين، بل تحذير صارخ: لبنان لا يمكنه انتظار عقود أخرى للاعتذار عن الأخطاء، فالإصلاح الهيكلي اليوم هو الطريقة الوحيدة لضمان بقائه دولة حرة ومتعددة الطوائف. الوقت لا يصبّ في مصلحة لبنان، فالطوائف تنظر للتحوّلات بمنظور مختلف، والانقسامات الداخلية تشل الدولة، فيما يزداد نفاد صبر الفاعلين الإقليميين والدوليين، وخصوصًا الولايات المتحدة. لذلك، يتوجب على لبنان استعادة احتكار الدولة لحق "استعمال القوة" فورًا، وتأسيس عقد اجتماعي جديد يشكل أساس نظام سياسي قادر على استعادة السيادة، وتعزيز الأمن الوطني، ومواجهة الفساد والإرهاب والانحلال المؤسساتي، ليتمكن لبنان من إعادة بناء دولة قابلة للحياة تتوافق مع التوجهين الإقليمي والدولي نحو الاستقرار.
خامسًا: نداء إلى الشعب اللبناني، ولا سيما الشباب، اغتنموا اللحظة قبل فوات الأوان
في هذه المرحلة المصيرية، يحمل الشعب اللبناني، وبالأخص شبابه، مفتاح تجديد الوطن. فالنظامان الإقليمي والعالمي الناشئان ليسا مجرد تحوّلين جيوسياسيين، بل يمثلان دعوةً صريحة للبنانيين للمشاركة في رسم مصير وطنهم. بدلًا من الانكفاء إلى اليأس أو اللامبالاة، يجب على اللبنانيين أن ينخرطوا بفعالية وبروحٍ بناءة في هذه التحوّلات، مستثمرين التغيير والابتكار والمشاركة المدنية لتحديد دور لبنان في المشرق الجديد وفي الشرق الأوسط الأوسع.
غير أن الوقت يضيق. فقد أبدت إدارة الرئيس ترامب انفتاحًا غير مسبوق لدعم استقرار لبنان، لكن هذا الدعم ليس أبديًا. إن صبر واشنطن والعواصم الإقليمية بدأ ينفد. لذلك، يتوجب على لبنان أن يتحرك بحسم، ويستثمر نافذة الدعم الأميركي الحالية، ويُثبت أنه شريك موثوق للسلام والأمن والتقدّم. ويجب أن يقود الشباب هذه المسيرة، بتحويل الإحباط إلى إرادة، والرؤية إلى واقع.
وفي الخلاصة، دخل العالم مرحلة جديدة تتسم بإعادة ترسيخ القيادة الأميركية وتمكين الفاعلين الإقليميين. وفي هذا السياق، أعادت إدارة الرئيس ترامب صياغة دور ورؤية الولايات المتحدة الاستراتيجية في ممارسة النفوذ والتوازن.
أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن هذا النهج يفتح فرصة فريدة لترسيخ السلام والاستقرار. وبالنسبة للبنان، فهو يمثل تحديًا ومسارًا في آنٍ معًا. فعلى لبنان أن يتحرك بسرعة لاستعادة سيادته، وإصلاح بنيانه السياسي، ومواكبة النظام الإقليمي المتطور. وبذلك، يمكن للبنان أن ينتقل من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل، مساهمًا في تشكيل شرق أوسط مستقر ومزدهر يعكس تطلعاته ويستند إلى القيادة الأميركية المتجددة.