"ضد السينما" يوثق تاريخ "الفن السابع" في السعودية

4 دقائق للقراءة

يُشكّل فيلم "ضد السينما" رحلة في الذاكرة الثقافية للمملكة العربية السعوديّة، حيث يعيد المخرج علي سعيد قراءة تاريخ علاقة السعوديين بالسينما منذ أكثر من قرن. وبينما كان يُعتقد أن السينما بدأت في السعودية عام 2017 مع منح تراخيص إنشاء دُور عرض في المملكة ثمّ عرض أول فيلم عام 2018، يكشف الفيلم أن الاهتمام بالفن السابع في البلاد انطلق منذ عقود، مستعرضًا بدايات العروض المبكرة والمحاولات الفردية للإنتاج، وصولًا إلى النهضة السينمائية الحديثة المدعومة من مؤسّسات ثقافية وطنية.

في المرحلة الأولى، يعود الفيلم الذي عُرض هذا الأسبوع ضمن الدورة 46 لـ "مهرجان القاهرة السينمائي الدولي"، إلى ثلاثينات القرن العشرين حين تأسّست "شركة الزيت العربيّة الأميركيّة" التي عُرفت لاحقًا باسم "أرامكو" حيث جاء العديد من الخبراء والمهندسين الأجانب للسعودية ومعهم عائلاتهم لتتشكّل تجمّعات غربيّة شغوفة بطبيعتها بالسينما. وبالتوازي مع ذلك، وجد السعوديّون طرقهم الخاصّة لمشاهدة الأفلام في البيوت والأحواش، وهي الأماكن المفتوحة داخل المنازل السعودية، ما يعكس شغفًا متناميًا بالفن رغم غياب البُنية السينمائية الرسمية في تلك الفترة.

ثمّ يمرّ الفيلم بمرحلة الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، حيث بدأت "أرامكو" بإنتاج أفلام توعوية وتعليميّة قصيرة تُعدّ من أوليات التجارب السينمائية المسجّلة داخل المملكة، والتي أسهمت في توسيع إدراك المجتمع المحليّ أهمية الصورة المتحرّكة. كما يتطرّق الفيلم إلى فترة السبعينات التي شهدت وجود قاعات عَرض في عدد من الأندية الرياضية، والتي كانت تقدّم عروضًا منتظمة، ما منح السينما حضورًا اجتماعيًا لافتًا في تلك المرحلة. وفي الوقت نفسه، بدأت تظهر أسماء سعودية مهتمّة بدراسة السينما في الخارج، مثل المخرج عبدالله المحيسن الذي درس الفن السابع في بريطانيا وأخرج فيلم "اغتيال مدينة" عام 1976، والذي مثل المملكة في مهرجانات عربية بارزة.

وفي المرحلة الثانية، يتتبّع الفيلم جيل الثمانينات الذي نشأ في ظروف مختلفة، بدأ العالم فيها يتغيّر مع ظهور القنوات التلفزيونية الفضائية والإنترنت، لكن حظر دُور السينما ومنع تصوير الأفلام ظلّ قائمًا. هنا تتحدّث مجموعة من مواليد حقبة الثمانينات عن "أندية المُشاهدة" التي كان يتبادل فيها الشبان آنذاك أشرطة الأفلام وروابطها عبر الإنترنت سرًّا ويتناقشون فيها. كما يلقي فيلم "ضد السينما" الضوء على محاولات بعض من هؤلاء لاحقًا، اقتحام عالم السينما ومغامراتهم المحفوفة بالمخاطر والمثيرة للدهشة أحيانًا، لصنع أفلام قصيرة لا تتعدّى دقائق معدودة يعرضونها سرًّا أو يسافرون بها إلى دول خليجية أخرى لعرضها في مهرجانات فنية.

ولا يغفل الفيلم دور المرأة السعودية التي كانت توّاقة هي الأخرى للسينما وصناعة الأفلام، وهو الدَّور الذي تحدّثت عنه باستفاضة المخرجة هيفاء المنصور التي وضعت السينما السعودية على الخريطة العالمية بفيلمها "وجدة" عام 2012.

كذلك يتضمّن الفيلم شهادات الجيل الحالي من المخرجين الذين أصبحوا الآن الواجهة المشرقة لصناعة السينما السعودية إقليميًّا وعالميًّا أمثال شهد أمين وهند الفهاد وعلي الكلثمي. أما مفاجأة الفيلم فهو الكشف عن أول عرض سينمائي في السعودية قبل أكثر من 100 عام، والذي أقيم في جدّة سنة 1918 على يد بعثة فرنسية قدّمت عرضَين للجمهور آنذاك، في واقعة تاريخية تُعدّ من أوليات الإشارات على دخول السينما إلى البلاد.

وتأتي مشاركة فيلم "ضد السينما" في مسابقة "آفاق السينما العربية" ضمن "مهرجان القاهرة السينمائي الدولي" هذا العام، في وقت تشهد فيه المملكة نهضة سينمائية كبيرة بدعم من مؤسسات رائدة، وهو ما عزز حضور السينما السعودية كقوّة جديدة في المنطقة والعالم. (رويترز)