بين هيصة استقبال السفير الأميركي الجديد والجدل القائم حول انتخاب المغتربين، وبين زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان والضغوط الأميركية على الدولة اللبنانية لإنجاز ما وعدت به، وبين الاعتداءات الإسرائيلية اليومية جنوب الليطاني وشماله وفلتان الوضع على الحدود الشرقية والشمالية، يطلّ عيد الاستقلال هذا العام كذكرى بلا ملامح. البلاد بأهلها ومسؤوليها تبدو في غربة تامة عن الاستقلال ومعانيه، ذكراه السنويّة صارت مجرّد تنبيه إلى هشاشة الواقع القائم ووقفة انتقادية تختصر الفشل المستدام في بلوغ استقلال حقيقيّ.
مع انتخاب الرئيس العماد جوزاف عون في التاسع من كانون الثاني 2025 بعد فراغ رئاسي استمرّ لمدة عامين وشهرين وبعد خطاب قسم طموح، وحكومة أصرّت في بيانها الوزاري على استعادة السيادة كاملة، استبشر اللبنانيون خيرًا وانتظروا خاتمة لأحزانهم الطويلة. استعدّوا لاستقلال ناجز، السيادة المطلقة فيه للدولة بلا سلاح خارج إطارها ولا وصاية عليها من شقيق أو قريب، ليفاجأوا باستقلال 2025 ذكرى باهتة لا يوقظ بريقها حتى احتفال مركزي اعتادوه في سنوات الخير كما في سنوات القحط السابقة...
ذكرى باهتة
هذا العام لا إقفال شوارع وطرقات رئيسية استعدادًا للعرض العسكري المركزيّ، لا عجقة سير ولا منصات تركّب في جادة الوزان. لا تهاني في قصر بعبدا ولا سفراء ورسميين ومتطفلين. لا صورة متأنقة تجمع بين الرؤساء الثلاثة، ولا احتفالات رمزية في الثكنات العسكرية. يتمّ وضع أكاليل على أضرحة رجال الاستقلال استذكارًا لجهودهم في انتزاع لبنان من براثن الانتداب كما على قبر الجندي المجهول تذكيرًا بدور حماة الوطن في الدفاع عنه... وحدها بضعة أعلام لبنانية ستزيّن الساحات و "الرونبوانات" الرئيسية في بعض البلدات يستلّها رؤساء البلديات من المخازن، ينفضون عنها الغبار ويتركونها ترفرف لأيام على الأعمدة قبل توضيبها في المخازن من جديد.
بين الزينة المخصّصة لاستقبال البابا لاوون الرابع عشر وزينة عيد الميلاد وصور الشهداء والقادة في مناطق الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، تتسلّل بخجل بضعة أعلام لبنانية في بعض المساحات وتغيب في مساحات كثيرة. بلدية سن الفيل زيّنت كل "رونبواناتها" بالأعلام وستقيم احتفالًا صغيرًا في دار البلدية لكبار الضباط المتقاعدين. استغلّت المناسبة لتضمّ الأعلام البابوية إلى الأعلام اللبنانية في ورشة واحدة. الريس نبيل كحالة يعترف بأن "الحالة بالويل" ووضع البلديات إلى تراجع ويؤكّد أن همّ البلدية الأول هو الناس واحتياجاتهم ولكن رغم ذلك البلدية لا "تقصّر" بالاحتفال بذكرى الاستقلال حتى لو كانت المساحات المزيّنة كبيرة وكلفتها عالية ليشعر العابرون على الطرقات ولو للحظات برهجة الاستقلال...
في البقاع يختلف الأمر، هناك الاستقلال مفهوم غائب: "نعيش في دولة ليست بدولة" يقول بشير مطر رئيس بلدية القاع، ويضيف: "دولة لا تؤمّن أي استقرار ماديّ أو أمنيّ أو سياسيّ. كيف نشعر بالاستقلال أو بالكرامة الوطنية مع وجود سلاح غير شرعي واعتداءات إسرائيلية يومية والحدود الشرقية فالتة دون رقيب واللاجئون السوريون باتوا أكثر من اللبنانيين. يفترض أن نحتفل بالاستقلال بوجوده لا بغيابه. البلديات التي تزيّن أو تقوم بأي نشاط إنما تقوم بذلك كواجب روتينيّ وليس انطلاقًا من كونه عيدًا وطنيًا. أمّا بالنسبة للناس فهو يوم عطلة إضافيّ مناسب لمشوار صيد... الاستقلال ليس الجيش وحده بل هو الدولة والشعب والبلديات والنخب والمغتربون، هو الدولة الحاكمة التي تضع المواطنين جميعهم تحت سقف القانون والجيش الذي يتصدّى للأعداء على الحدود".
على رؤوس الجبال، ترتفع صلبان وتماثيل لقديسين أو ترتفع صور لمقاومي "حزب اللّه" وقادته الشهداء. هنا وهناك ترتفع شعارات حزبية ودينية وترفرف أعلام الأحزاب ويبقى العلم اللبناني غائبًا وكأن الهوية اللبنانية صارت هويات متعدّدة. وحدها المدارس (إلا قلّة منها) لا تزال تسعى لتأصيل الهوية اللبنانية في نفوس طلّابها وتتخذ من ذكرى الاستقلال مناسبة لذلك.
استقلال الحضانات
في الحضانات، ترتسم الأرزة على الوجوه ويلتف العلم حول الرؤوس أو يتمايل في الأيدي ويردّد النشيد الوطني على الألسن الطرية التي تصيب اللحن أكثر من الكلمات. في المدارس كلمات يلقيها أساتذة اللغة العربية أو بعض المتفوّقين من الطلاب بمناسبة العيد وتستعاد رواية الاستقلال عبر قصص أو وثائقيات. لكن رغم كلّ هذه النشاطات المدرسية التي لا تصل إلى حدود الصفوف الثانوية ولا تتخطى عتبة الجامعات، يبدو الطلّاب في غربة عن استقلالهم، يغيب عنهم الحماس لتحلّ السخرية محلّه أو أقلّه اللامبالاة.
غربة تحلّلها المربية والاختصاصية في علم النفس ديانا أبو نادر وتشرح أسبابها قائلة: "اللامبالاة التي يشعر بها طلّاب المدارس تجاه ذكرى الاستقلال هي نتيجة وليست سببًا، وهي ناجمة عن قلّة ثقة لا عن قلّة وطنية، وعن نقص في الأمان الذي يفترض بالدولة أن تؤمّنه لمواطنيها وعن تراكم للأزمات عبر السنين".
كلّ فترة يعيش اللبنانيون حربًا تترك تأثيراتها في اللاوعي الجماعي وتوقظ التروما الكامنة فيهم. الجيل الجديد تفاجأ بالحرب الأخيرة التي لم يعشها سابقًا فولدت عنده كما عند من سبقه من أجيال خضة وجودية ناجمة عن عدم الشعور بالأمان حيث أدرك أن لا حضن أمين يمكن أن يلجأ إليه والوطن الذي يفترض أن يحميه، لا يقدّم له هذه الحماية. من هنا، نرى تراجعًا للحسّ الوطني الجماعي وانكفاءً نحو الفردية، بحيث بات كل شخص يبحث عن تأمين راحته واحتياجاته وحتى أمنه الذاتي على حساب الشعور الجماعي. القصة ليست قصة وطنية وتعلّق بالوطن، فهذا يبدو جليًا عند المغتربين اللبنانيين المتعلّقين بأرضهم ووطنهم ويشعرون بالانتماء إليه، لكن عند الذين عاشوا ويلات السنوات الأخيرة وعانوا ما عانوه، ولّدت لديهم المعاناة عدم القدرة على الثقة بدولتهم وتباعدًا عنها. وإلى ذلك، يضاف عدم وجود تاريخ مشترك حول الحروب الأخيرة فكتب التاريخ لا تزال تدور حول الماضي وآخرها قصة الاستقلال التي تروى بكلمات صارت غريبة عن طلاب اليوم. يسمعونها فيضحكون ويتساءلون عن علاقتها باستقلال اليوم.
لكن رغم كلّ شيء، ما زالت المدارس تسعى لتنمية الحسّ الوطني عند الطلاب لكسر هذه الغربة من خلال نشاطات وطنية وتراثية تربطهم بهويّتهم اللبنانية. وتؤكّد الاختصاصية أبو نادر أنه أمام تراجع الواقع الحالي، لا يمكن الاستسلام ولا بدّ من الحفاظ على الهوية، إذ بدون هوية لا وجود للإنسان ولا بدّ من وجود أرض ووطن وتاريخ لتثبيت الهوية. من هنا، تقوم المدارس بتعزيز هذه المفاهيم عند الجيل الطالع ليشعر بالأمان ويتولّد لديه الثبات بأن الأزمات سوف تنتهي، وسيبقى الوطن من بعدها، وأن المجتمع هو الذي سيعيد بناء وحمل الوطن.
هل يكفي سعي المدارس وحدها لتعزيز الهوية الوطنية وإبقاء جذوة الاستقلال مشتعلة؟
جولة على القطاعات الأخرى تكفي للتأكيد أن ذكرى الاستقلال غائبة بشكل شبه كلي هذا العام والأنشطة التي اعتاد اللبنانيون أن يستشعروا من خلالها نبض الدولة بعيدة من المشهد. ويزيد الصورة قتامة التهديدات اليومية بضربة إسرائيلية محتملة، وأزيز المسيّرات فوق رؤوس اللبنانيين على مدار يومهم، مع ما يرافقها من ضغوطات خارجية متصاعدة تحاصر القرار الوطني وتثقل كاهل الدولة. في عيد الاستقلال وحده الشعور بأن السيادة ما زالت رهينة الحسابات الإقليمية والضغوط الخارجية، هو السائد عند الناس بعد أن تأملوا خيرًا بالعهد الجديد والمتغيرات الإقليمية.
حتى حفلات الاستقلال التي كان يتمّ الإعلان عنها في المطاعم والمرابع الليلية لا أثر لها هذا العام. وكأن الكل خجِل من احتفال غير مستحَق. نائب نقيب أصحاب المطاعم خالد نزهة يقول إنه رغم التقدير الكبير لعيد الاستقلال الذي يعني الجميع إلّا أنه لا يمكن الاحتفال بالعيد وقسم من الوطن ينزف. العيد الكبير هو حين يحلّ الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي ويستعيد المودعون أموالهم وتعود الطمأنينة والفرح إلى الناس ويعود المغتربون والعرب إلى لبنان. ويضيف إذا كانت الدولة غائبة عن الاحتفال بذكرى الاستقلال كيف لقطاع نازف يحارب لبقاء مستدام أن يحتفل؟ اليوم أية حفلة موسيقية سوف تقام لعيد الاستقلال ستحمل كلفة إضافية يتحمّلها المطعم والروّاد. وفي ظلّ الأوضاع الراهنة وغياب الحضور الخارجي لم يعد اللبناني المقيم قادرًا على تحمّل المزيد من الأعباء المادية في مناسبة وطنية ما عادت تعني له الكثير.
طارت الهوكر هانتر والعنزة كان صباح عيد الاستقلال في الستينات والسبعينات موعدًا ينتظره اللبنانيون كطقس سنوي لا يشبه سواه. كان تلفزيون لبنان يفتح هواءه ليوم تلفزيوني طويل يبدأ منذ ساعات الصباح الأولى بأغانٍ وطنية تسبق النقل المباشر للعرض العسكري. "بتتلج الدني وبتشمس الدني ويا لبنان بحبك تتخلص الدني" و "تسلم يا عسكر لبنان يا حامي استقلالنا" و "صف العسكر طالع يسكر" ، و "بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب". كانت العائلات تتحلّق حول جهاز التلفزيون الكبير المربّع في رهبة تليق بالمناسبة. الكبار يحرصون على الوصول قبل بدء المراسم، يجلسون على الكنبات، فيما يتربّع الصغار على الأرض، يرفعون رؤوسهم بانتظار اللحظة التي يسمعون فيها المذيع يعلن: "والآن تحلّق فوق سماء بيروت طائرات الهوكر هانتر…". وما إن تظهر المقاتلات على الشاشة، أو يسمعون هديرها من خلف النافذة، حتى كانت قلوب الصغار والكبار تخفق خفقة واحدة عامرة بالفخر والعزة الوطنية. كان المشهد يجمع بين البساطة والرهبة. صوت كميل منسى أو إيلي صليبي أو عرفات حجازي ينقل العرض العسكري بتفاصيله بنبرة جهورية على وقع الموسيقى العسكرية. ومع مرور فرقة المغاوير مهرولة كان الفخر يطغى على كل شعور آخر. فخر بأن للبلد جيشًا قويًا يحميه ودولة متراصة تدير شؤونه. كان عيد الاستقلال حينها أكثر من احتفال كان شعورًا وطنيًا بالانتماء إلى بلد يليق به الفخر. نُظم العرض العسكري الأول الرسمي في العام 1946 بمشاركة فوج القناصة الأول بقيادة الضابط جميل لحود. ثمّ انتقلت رئاسة هذا الفوج إلى الضابط جوزف حرب الذي تمّ تعيينه في مرجعيون. عند وصوله، شاهد جنود الفوج ينفخون بأبواقهم وشاهد أمامهم عنزة عبارة عن هدية من الفلاحين لعناصر الفوج. فاقترح الضابط وضعها في مقدمة الفوج خلال العرض العسكري، وهكذا كان. وشاركت العنزة في التدريبات قبيل العرض لتتأهّل في أول عرض عسكري في 1946، وتقدّمت الحفل وسط تصفيق الرسميين والناس. وأطلق على هذه العنزة اسم "عنزة الشيطان". |