عام 1941، أعلن الجنرال جورج كاترو استقلالًا «صورياً» للبنان، بقي محدودًا تحت سلطة الجيش الفرنسي وبإطار الوصاية. أما المحطة الحاسمة فكانت في خريف 1943، حين تولّى بشارة الخوري رئاسة الجمهورية وتشكلت حكومة رياض الصلح، التي بادرت إلى تعديل المواد الدستورية التي كانت تمنح الانتداب الفرنسي شرعية قانونية، الأمر الذي أزعج الفرنسيين.
في صباح 11 تشرين الثاني عام 1943، نفّذ الفرنسيون سلسلة اعتقالات طالت عددًا من المسؤولين اللبنانيين، شملت رئيس الجمهورية بشارة الخوري، ورئيس الحكومة رياض الصلح، إضافة إلى الوزراء سليم تقلا، عادل عسيران، كميل شمعون، والنائب عبد الحميد كرامي. وقد نُقل جميعهم إلى قلعة راشيا في البقاع الغربي.
ما إن شاع خبر الاعتقالات، حتّى اندفع اللبنانيون إلى الشارع في مظاهرات غاضبة وغير مسبوقة، مطالبين بالإفراج الفوري عن القادة الوطنيين. واتّسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل إضرابات عامة وقطع طرقات وإغلاق المدارس والجامعات، فيما شهدت بعض المناطق اشتباكات مع القوات الفرنسية، أسفرت عن سقوط شهداء من صفوف المتظاهرين.
ضغطت بريطانيا لإطلاق سراح الرئيسين الخوري والصلح والوزراء المعتقلين، ولوّحت بإمكانية التدخل العسكري، في حين أيّدتها في موقفها كلّ من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي وعدد من الدول العربية. وبعد تزايد الضغط الدولي وتصاعد المطالبات الشعبية في مختلف المناطق اللبنانية، اضطرّ الفرنسيون إلى الإفراج عن المسؤولين المعتقلين. وخرج القادة إلى شعبهم وسط احتفالات عارمة عمّت الشوارع، حيث لوّح اللبنانيون بالعلم اللبناني الجديد لأول مرة، لتُكرَّس في ذلك اليوم ذكرى 22 تشرين الثاني عيدًا لاستقلال لبنان.
بدأ اللبنانيون من ذلك التاريخ رحلة البحث عن وطنٍ حرٍّ يشبههم، لكن سرعان ما واجه هذا الحلم ببناء وطن مستقل مجموعة من العوائق:
بدأت عمليا مع طرح مجموعة من المشاريع البديلة، بدءً مع عبد الناصر والأمة العربية من المحيط إلى الخليج، التي كلفت لبنان ما كلفته في احتواء قضايا هذه الأمة وأهمها القضية الفلسطينية، والتي كانت سببا فيما بعد في دخول لبنان حربا أهلية مدمرة بين أبنائه، مرورا بمشاريع تختص بالشرق الأوسط الإسلامي بشقه الشيعي، الذي كان سبب مباشر لزج لبنان في صراعٍ مباشرٍ مع إسرائيل لم ننتهِ منها إلى يومنا هذا، وصولا بمشاريع مدمرة أخرى كالأمة الإسلامية وسوريا الكبرى وإسرائيل الكبرى.
كلها مشاريع عبّرت عن صراع جيوبوليتيكي في المنطقة، دول كبيرة تتصارع إيديولوجيا واقتصادية وسياسيا على مسارح دول أخرى، هكذا عَلق لبنان منذ الاستقلال حتى يومنا هذا.
أمّا اليوم وبعد 82 عام على الاستقلال، فلبنان أمام فرصة حقيقية لتثبيت هذا الاستقلال من خلال أمرين أساسيين، الأوّل تقوية مؤسساته الرسمية وتحصينها كأي دولة تريد أن تبني مؤسسات حكومية فعّالة، وثانيًا عبر فرض سيطرته على كامل أرضه وبقوته الذاتية من خلال سحب كل سلاح غير شرعي يُعيق بناء الدولة، لبنانيًا وغير لبناني.
لذلك، فالاستقلال ليس مجرد مناسبة يومية أو حدث تاريخي، بل هو مسيرة مستمرة وجهد دائم لبناء دولة قوية، قائمة على مؤسسات فعّالة، ووحدة يطمح إليها كل أبنائها، قادرة على حماية أرضها وفرض سيادتها. الاستقلال الحقيقي يتحقق بالعمل اليومي والمثابرة، ليصبح لبنان دولة تحمي حقوق مواطنيها وتضمن لهم الحرية والكرامة.