توفيق يزبك

محرومون من حقوقنا... ولكن

6 كانون الأول 2020

18 : 11

لبنانيٌّ أنا من جبل لبنان في لبنان الذي كان يُقال عنه لبنان الأخضر... مكثتُ في صنين والأرز وحدود العاقورة وجرود تنّورين، الثلوج تكلّل جبالنا بالأبيض الزهراء ويحلّ الصيف فتنقطع المياه عن بيوتنا، هذا عن الماء ولن أزيد العبارات ذاتها المعروفة عن الكهرباء وأسعار الغاز والمحروقات التي تتأرجح علوًّا وعمقًا، يمينًا ويسارًا... وأنا كغيري من المواطنين، نغدو وراء لقمة العيش ونهتمّ لتعليم أولادنا في مدارس خاصّة نظرًا لانعدام الثقة بالمدارس الرسميّة، والجامعات حدث ولا حرج.. هل تعلم قارئي العزيز أنّ معظم معلّمي المدارس الرسميّة يسجّلون أبناءهم في مدارس خاصّة، وهذا دليلٌ دامغ على أنّ الاهتمام بالتعليم الرسمي معدوم وليس الحقّ كلّه على الدولة، إنّما المسؤولية تقع على المربّي الذي يتقاضى أجرًا محترمًا وبالإجمال لا يقوم بواجبه لأنّه باع ضميره فيذهب ويعلّم أيضًا في مدرسة خاصّة فتراه يعود إليه ضميره هناك. نعم رحل الضمير وماتت معه الكرامات وسلبت أدنى حقوقنا وبيعت في منتجعات أوروبا وأميركا وشتى أنحاء العالم.

قال الشاعر حافظ ابراهيم عن طموح اللبناني اللامحدود:

"رادوا المناهل في الدنيا ولو وجدوا إلى المجره ركبًا صاعدًا صَعِدوا"

تُرى هل أصبح اللبنانيون مضرب مثل بالفساد والمخالفات بعد أن كان العالم يعرف أننا كنا شعبًا حيًا طموحًا بكل مل للكلمة من معنى؛ لو قُدّر لحافظ ابراهيم أن يعيش حتّى ثمانينيّات القرن الماضي لكان اعتذر عن بيت الشعر هذا واستبدله بآخر معكوس، لكنّه رحل مرتاحًا ومقتنعًا بواقع جميل أخلاقي يسوده التفاؤل بغد أفضل فهنيئًا للشاعر وطيّب الله ثراه وقديمًا قبل: الشاعر مرآه عصره...

ونهرع إلى المصارف لسحب رواتبنا وحقوقنا كي نسدّد الضرائب والرسوم وأقساط المدارس والجامعات عن أولادنا، ويا للمفارقة بعد أن كنّا نقترض من المصارف وبنك الإسكان وغيره، بتنا اليوم بحاجة أن نثق بالمصارف كي نؤمّن على ودائعنا من الضياع عذرًا عن التعبير، فالخوف يعتري أصحاب الودائع المتواضعة ونخشى أيضًا أن يأتي يوم ونسأل عن أموالنا دون أن نستطيع أخذها لتأمين مستلزمات الحياة الضروريّة!؟...

نحن محرومون من أبسط حقوقنا، ولكن حذار أيّها الساسة المناط بهم شؤوننا، حذار فإن الجوع كافر والفقر كافر وليس على المرء أمرّ من الحاجة – لقد قال الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: "... فما وجدت أثقل من الدين ولا أمرّ من الحاجة" وقال أيضًا في "نهج البلاغة": "لو كان الفقر رجلاً لقتلته" إلى أمل حياةٍ أفضل وأجمل، وكلّ ثقة أنّ الفساد سيجتثّ من جسد الوطن وسيعود لبنان إلى سابق عهده؛ البلد يهتزّ ولكنّه لم ولن يقع – وكما قيل في الماضي: "إنّ كلّ يد تمتدّ أو مُدّت إلى وطننا ستُقطع من الكتف والتاريخ على ذلك شاهد...

إني وضعت سيفي جانبًا، وأمسكت بالقلم في يدي اليمنى وبدأت إستراحة محارب عتيق خبر حروبًا ماضية وها أنا أبدأ نضال القلم والحبر، أفضّل أن أرفع الصوت عاليًا، وأضع نفسي تحت إمرة قيادة الجيش ولو متقاعدًا حين يدقّ النفير، قلمي مغمّس بعرق الجبين ودموع الأسى على من غابوا من الشهداء الذين سقطوا قرابين فداء على مذبح الوطن معمّدين بدمائهم الطاهرة أرض الفداء ومهد التاريخ: لا لن أغادر وطني لأنّ الثقة به ستعود والمثل يقول: "لا يَصُحّ إلاّ الصحيح"... وإنّ غدًا لناظره قريب.

العميد توفيق يزبك

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.