في جلسة مجلس الوزراء عشية الاستقلال، تذكّر رئيس الجمهورية جوزاف عون 14 طفلًا استشهدوا على يد الانتداب الفرنسي، خلال تظاهرهم للمطالبة بالاستقلال، وطالب بتكريمهم". فما حكاية هؤلاء؟
مع الإشارة إلى أن الشهداء الـ 14 مدفونون في مقبرة الشهداء بمحلة باب الرمل، وقد سمّيت المقبرة بهذا الاسم تيمنًا بهم، وهناك شاهد ولوحة تذكارية تخلّد أسماءهم على مدخلها.
يشير الأستاذ الجامعي الدكتور خالد تدمري - رئيس لجنة الآثار والتراث وعضو بلدية طرابلس السابق، في حديثٍ لـ "نداء الوطن"، إلى "أن هذه الحادثة قد غابت عن كتب التاريخ الرسمية طيلة 80 عامًا، كونها واحدة من أهم بطولات اللبنانيين وأبناء طرابلس في وجه الاحتلال الفرنسي، وكان لها الأثر الكبير في الإفراج عن المعتقلين في قلعة راشيا، بعد استشهاد 14 طفلًا وفتىً من طرابلس، كانوا طلاب مدارس في مدينة العروبة والعلم والعلماء".
أحداث وتظاهرات
بحسب خالد تدمري، وعقب اعتقال الرئيس عبد الحميد كرامي واقتياده إلى قلعة راشيا، اندلعت تظاهرات حاشدة في طرابلس في اليوم التالي، انطلقت من باحة المسجد المنصوري الكبير بعد صلاة الجمعة، وصولًا إلى ساحة التل، مقر المندوب السّامي الفرنسي. التظاهرات ضمت أهالي المدينة وطلاب المدارس، مطالبين بالإفراج عن المعتقلين والاستقلال الوطني. استمرت الأحداث الرافضة، وفي اليوم التالي، أي السبت، تجمّع الطرابلسيون أمام مسجد طينال في باب الرمل، وانضم إليهم طلاب مدرسة الفرير، وهي أضخم مدرسة في تلك الفترة، وشارك فيها الرئيس الراحل أمين الحافظ.
ثم توجّهوا من مسجد طينال مرورًا بمدرسة التربية الإسلامية حيث انضم اليهم عدد كبير من الأساتذة والطلاب ومن هناك اتجهوا إلى الزاهرية حيث انضم إليهم عدد أكبر من طلاب مدرسة الفرير.
ويضيف تدمري: "التظاهرة تحرّكت من الزاهرية إلى ساحة التل، ثم باتجاه شارع المصارف وطريق الميناء المعروف بشارع رياض الصلح، وهتف المشاركون بسقوط الانتداب. وبحسب الروايات، فإن الضابط الفرنسي أعطى الأوامر للفرقة السنغالية في الجيش الفرنسي بإطلاق النار، وتحركت الدبابات وداست على المتظاهرين، ما أدى إلى مقتل 14 طفلًا وفتى وهم: سليم صابونة، أحمد صابر كلثوم، رشيد رمزي حجازي، فوزي قاسم شحود، محمد ثروت، عبد الغني أفيوني، عباس إبراهيم حبوشي، محمد علي حسين خضر، عبد القادر مصطفى الشهال، كمال عبد الرزاق ضناوي، وديع خاطر بركات، أحمد جوجو، محمد حسين المحمد، وسليم الشامي. كما تذكر الروايات أيضًا عن نجاة طفل واحد خرج من تحت الدبابة حيًا هو أحمد ظافر الخطيب، بينما نُقل أكثر من 25 جريحًا للعلاج في المستشفى الأميركي في الميناء، حيث يقع اليوم بيت الفن، بحسب روايات الرئيس أمين الحافظ وعبد المجيد الرافعي".
تخليد الشهداء
تم دفن الشهداء في مقبرة باب الرمل بجنازة حاشدة، كما أقيم لهم نصب تذكاري في طرابلس. ويطالب تدمري أن تتم زيارة ضريح الشهداء من رسميين عند كل ذكرى استقلال، وليس فقط من رئيس البلدية لأنهم صناع حقيقيون للاستقلال. كما يطالب بضرورة تعديل كتاب التاريخ وإدخال هذه الحادثة في المنهاج المدرسي.
ويؤكد تدمري أن لهذه الحادثة دورًا مباشرًا في الإعلان عن الاستقلال اللبناني الذي وقع بعد أقل من 10 أيام، ما يجعل وضع إكليل رسمي لهم واجبًا لتكريم تضحياتهم.
يوم مشؤوم
وختامًا يروي مؤرخ طرابلس الدكتور عمر تدمري، أن المدينة شهدت في 13 تشرين الثاني عام 1943 يومًا مشؤومًا من تاريخها، وصب الطرابلسيون جام غضبهم على الاستعمار الفرنسي، وظل الوضع في المدينة متأزمًا ومتوترًا على أعلى الدرجات إلى حين تم إطلاق سراح المعتقلين من قلعة راشيا وإعلان استقلال لبنان.
ويلفت إلى أن طرابلس كانت المدينة اللبنانية الوحيدة التي تحركت في وجه المستعمر الفرنسي، وتحملت الثمن الباهظ وقدمت أطفالها قرابين على مذبح الحرية والاستقلال، فبالتالي، كان لها دور كبير في تحقيق هذا الاستقلال، وهــي كانت قبل 9 سنوات أي عام 1936 أعلنت الإضراب المفتوح لمدة 36 يومًا احتجاجًا على تجاوزات الاستعمار الفرنسي، وقد جاءها زعماء دمشق والبلاد العربية وقاموا بوساطة كبرى مع رجالات المدينة لإعادة الحياة إليها.