لفهم السلوك السياسي والتنظيمي الذي يطبع أداء "حزب الله" داخل الدولة والمجتمع اللبناني، يمكن استعارة مفهوم "متلازمة الحصان البري". فالحصان البري، مهما بُذلت محاولات لتهدئته أو ترويضه، يبقى مطبوعًا بغريزة الانفلات من السرج ورفض القيود؛ لأنه يرى في الحرية المطلقة شرطًا لبقائه وهويته. ف"حزب الله" قوة نشأت خارج المؤسسات، ورسّخت قوتها خارج قواعد وقوانين الدولة، وبالرغم من أنه امتص خيرات الدولة كالسرطان في جسم الإنسان، إلا أنه تعامل معها كإطار ضيق ومرحلة انتقالية لا تستطيع احتواء مشروعه.
منذ تأسيسه في الثمانينيات، كان هدف "حزب الله" الحقيقي أوسع وأعمق من أي دور لبناني محلي. فقد أعلن السيد حسن نصرالله في بدايات الثمانينات أن مشروع الحزب يتجاوز أي أفق لبناني ضيق، ليحوّل لبنان ليس إلى جمهورية إسلامية، وإنما إلى جزء من "الجمهورية الإسلامية الكبرى" التي يرعاها صاحب الزمان ووليّه الإمام الخميني بالأمس والخامنئي اليوم.
هذا الهدف يعكس التلازم بين الأجندة الدينية والسياسية للحزب، وهذا ما يوضح لماذا بنى جهازه العسكري والاقتصادي والمؤسساتي الموازي، واستقلّ في قراراته الأمنية والاستراتيجية عن السلطة اللبنانية، وربط سياسات لبنان بمركز القوة الإقليمية الأساسية في طهران.
وكما أنّ الحصان البري يتعايش مع السرج بشكل مؤقت، لكنه لا يتقبّله بشكل دائم، شارك الحزب لاحقًا في الحكومة والبرلمان والحوارات، لكنه احتفظ بسيطرته على مؤسسات موازية، في موقع يتجاوز القانون ويخضع لولاء أوسع من الدولة اللبنانية نفسها، وهو ما يفسر استمرار اندفاعه في الدفاع عن سلاحه بلا توقف.
فبدل أن تفرض الدولة اللبنانية قواعدها، تصرّفت منذ تطبيق إتفاق الطائف كمن يحاذر استفزاز حصان جامح. وفي عهدَي الرئيسين إميل لحود وميشال عون، ذاب الحدّ الفاصل بين الدولة والحزب، فأصبحت مؤسسات واسعة من الإدارة والأمن تتعامل مع نشاط الحزب وكأنه «فوق القانون» و«أمر مسلّم به»، من نقل السلاح إلى التهريب وتغطية شبكات اقتصادية خاصة. هكذا تحوّلت الدولة من سلطة يجب أن يُطاع قانونها، إلى واجهةٍ شكلية تسعى فقط لمنع الانفجار وليس لتحقيق السيادة.
وكما أن الحصان البري لا يرى في الترويض تدريبًا، بل اعتداءً على وجوده. كذلك، يعتبر "حزب الله" أن أي مطالبة داخلية بتنظيم سلاحه ليست نقاشًا طبيعيًا في دولة، بل مؤامرة واعتداء على «الهوية والدور». تتحول المطالب الإصلاحية إلى «مشاريع خارجية»، ويُقفل باب النقاش الوطني تحت شعار الخطر الوجودي. بهذا المنطق، يصبح السلاح «قداسة»، والإصلاح «خيانة»، ومكافحة غسيل الأموال "خضوعا للإملاءات الاميريكية" وتتحول السياسة إلى مسرح تهويل يمنع أي محاولة لبناء دولة عصرية.
في الأساطير الريفية، يُقال إنّ الخفّاش إذا عضّ الحصان البري، يصاب هذا الأخير بهياج يجعله يركض بلا توقف؛ فكل ما يشعر به هو «التهديد»، فيندفع في سباق يستهلك قواه حتى نهايته؛ بسبب فقدانه القدرة على التمييز بين الخطر الحقيقي والخوف المتخيَّل.
هذه الصورة تنطبق اليوم على سلوك "حزب الله" بعد فشل حرب الإسناد. فأي موقف سياسي ناقد لتصرفاته يتعامل معه كـ«عضّة» سياسية أو أمنية أو اقتصادية، تدفع فورًا بيئته المأزومة إلى الهيجان والتهديد، ورفع سقف الخطاب. فتصبح الحركة أسرع من التفكير، والاندفاعة أقوى من الحسابات. فيركض الحزب وشعبيته وشعراؤه وإعلامييه وذبابه الالكتروني ومحلليه السياسيين وراهباته ورجال الدين الذين يدورون في فلكه في مسار التصعيد، غير آبهٍ بالنتائج السلبية المدمرة، ومن دون التمييز بين العدو الحقيقي والشعب اللبناني المعارض له.
المشكلة تعمقت مع الوقت لأن الطبقة الحاكمة تعاملت مع الحزب كقوة لا يمكن ضبطها. بعضها استفاد من قوته، وبعضها استسلم خوفًا من الفتنة أو انقسام الجيش إذا تمت محاولة انتزاع سلاحه. ومع الوقت، نشأت علاقة اعتماد متبادل بين دولة ضعيفة تخاف على السلم الأهلي الهش، والحزب المدمر الذي يحتاج الدولة كغطاء لإعادة بناء قدراته.
لبنان اليوم أمام خيارين: إما دولة حديثة قادرة على حماية الجميع تحت سقف واحد، أو استمرار الجميع في الدوران في حقل مغنطسي يزداد دمارًا تحت سرعة خطوات حصان بريّ خائف وهائج يركض بلا توقف باتجاه الهاوية. وحتى يقتنع أصحاب السلطة في لبنان بأن القوة التي لا يمكن ضبطها بالقانون والعدل تتحول إلى خطر، والحركة الفوضوية التي لا يحكمها المنطق والعقل تقود إلى الانهيار، مهما كان الهدف المعلن ساميًا، تصبحون على وطن.