قبل فجر 26 تشرين الثاني 2014، كان استمرار الفنانة صباح في الحياة حتى سن الـ 87، مدار تنمُّر ومحور تعليقات سوقيّة على وسائل التواصل حملت الكثير من قلة التقدير وعدم احترام الكرامة الإنسانيّة أولًا، والمسيرة الفنيّة لرائدة من عالم الأغنية والمسرح والسينما.
في مثل هذا اليوم قبل 11 عامًا، انطفأت جانيت فغالي الإنسانة ودخلت صباح الفنانة سجلّ الخالدات في مجالها. وكان انتشار نبأ الرحيل وما تبعه من هبّة شعبيّة ورسميّة وصحافيّة وإعلاميّة تقديرية في يوم الوداع، فرصة لإعادة اكتشاف الإرث الفنيّ الغنيّ الذي تركته لنا سيّدة الموال والأغنية اللبنانية، مذ تحدّت زمنها ومجتمعها وأهلها ومحيطها، ولحقت حلمًا راودها من أولى سنوات الوعي، أن تكون نجمة في عالم الصوت والصورة. وكان لها ما أرادت وإن بشق النفس، فصارت واحدة من أبرز نجمات لبنان ومصر، ورقمًا صعبًا بلغت بسببه الغرب شاديةً في أرفع المسارح وأرقى عناوين السهر، يوم كانت تلك المعالم لا تشرّع أبوابها إلا لمن يحمل تميُّزًا في فنه.
ومنذ ذلك التشرين قبل عقد وسنة، صارت كلّ صورة تُنشر لصباح، أو كلّ استعادة لواحدة من إطلالاتها، أو كلّ مقتطف يذاع من مقابلاتها الكثيرة، أو كلّ معرض لما بقي من مقتنياتها، أو كلّ برنامج يتناول جانبًا من مسيرتها، موضع تقدير ومحطّ إعجاب من الجمهور، سواء الذي عاصرها وعرفها أو الذي يتعرّف اليوم عليها ولم تكن سنه تسمح له أن يكون شاهدًا على حضورها اللامع في زمنها الجميل.
هكذا وعلى الطريقة اللبنانية المعتادة، أدخل الموت صباح في الذاكرة التقديرية، بعد عقود من الانتقاد والتنمّر الذي طالها وهي بعد على قيد الحياة. فربّما لم يسمع امرؤ خبر موته مرّات بقدر ما سمعته صباح بنفسها، ولم تسمع امرأة تهكّمًا على إصرارها في الاستمرار حاضرةً في المجتمع كما سمعت صباح، ولم تسمع فنانة إشاعات تطول حياتها بمقدار ما سمعت صباح... وكان ردّها على كلّ ذلك بفلسفتها الشهيرة التي اعتمدتها: "التطنيش".
على أي حال لا يُبرَّأ بعض الصحافة والإعلام من استغلال حياة صباح الصاخبة، وربّما بإرادة منها أحيانًا، فأسهم هؤلاء في حجب صورة صباح الفنانة على حساب إبراز صورة صباح الإنسانة بما لها وما عليها، كما كلّ إنسان. لكن هذا اللوم لا يجعلنا ننسى مبادرات إعلاميّة تقديرية وبرامج قُدّمت ولا تزال، تليق بمكانة رائدة لبنانيّة في عالم الأغنية والفن المشهدي، كما فعلت قناة "mtv" مثلًا أشهرًا قليلة قبل رحيل فنانتنا الكبيرة سنة 2014، حين أعدّت وبثت سهرة تكريمية دافئة قرب مكان إقامة الصبوحة في الحازمية آنست فنانتنا الكبيرة في شيخوختها، وكما أعادت القناة الكرّة قبل أسابيع في برنامج "كأنو مبارح" وقدّمت حلقة خاصة بالبدايات الفنية للصبوحة.
صباح التي تأخر البعض في تقديرها، ولم يفطن لِما تركته من إرث غنيّ في عالم الفن، ستبقى طاعنةً في الحضور مهما كثرت سنوات الغياب.