عندما سقط نظام الأسد العام الماضي بعد عقود من القمع الداخلي وزعزعة استقرار المنطقة، أمل الكثير من السوريين في إرساء حكم جديد يُعيد البلاد إلى حضن الشرعية الدولية ويؤسّس نظامًا جديدًا يحترم الحرّيات السياسية والاجتماعية والتعدّدية، رغم الخلفية الجهادية لحكّام دمشق الجدد، بيد أن الواقع المضطرب اليوم يكشف حجم المعضلة التي تحكم علاقة الجماعات السورية بعضها ببعض، إذ أكّدت المجازر الطائفية التي أدمت الساحل والسويداء، الهواجس العميقة لدى الأقليات الدينية والعرقية من فرض حكم مركزي عربي - سني متشدّد وإلغائي.
أطلقت تلك الأحداث الدموية والتجاوزات والانتهاكات المتكرّرة، أجواء تحريضيّة خطرة وشحنت النفوس بضغائن طائفية أدّت إلى استسهال تنفيذ اعتداءات غوغائية متنقلة في أنحاء البلاد، كان آخر ضحاياها العلويين في حمص الأسبوع الماضي، في حين يتمسّك الرئيس أحمد الشرع بالنظام المركزي، رافضًا أي صيغة لامركزية تصون خصوصية المكوّنات وتعطي كلّ ذي صاحب حق حقه، ما يعني عمليًا إعادة إحياء نظام شمولي إقصائي كالذي كان قائمًا إبّان "حكم الأسدين"، مع تبديل العنصر الطائفي الطاغي من علوي إلى سني والعنصر العقائدي من "بعثي" إلى "إسلامي"، الأمر الذي يخلق أرضية لاستعار الصراعات الطائفية ويمهّد إلى اقتتال أهلي جديد وربّما إلى تقسيم سوريا.
انطلاقًا من ذلك، انفجرت انتفاضة علوية عارمة وغير مسبوقة في وجه السلطات أمس، حيث خرج عشرات الآلاف من العلويين في تظاهرات احتجاجية في مناطق عدّة في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، تلبية لنداء رئيس "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر" الشيخ غزال غزال. وردّد المتظاهرون شعارات تطالب بالفدرالية مثل "الساحل بدّو فدرالية" والإفراج عن المعتقلين والتوقف عن الممارسات الطائفية التي أرهقت أبناء الطائفة على مدى عام.
وكشف شهود ومسؤولون لوكالة "رويترز" أن قوات الأمن السورية أطلقت النار لتفريق احتجاجين متنافسين في مدينة اللاذقية، موضحين أن مئات المحتجين العلويين تجمّعوا للمطالبة بنظام سياسي لامركزي في سوريا والإفراج عن رجال يقولون إن السلطات الجديدة في البلاد اعتقلتهم ظلمًا، ثمّ تجمّع أنصار للحكومة وبدأوا بتوجيه السباب إلى العلويين. وبعد نحو ساعة من بداية تظاهرة العلويين، سُمع دويّ طلقات نارية في دوار الزراعة، وهو إحدى ساحتين تجمّع بهما المحتجون. وأفاد مدير العلاقات الإعلامية في محافظة اللاذقية نور الدين البريمو بأن قوات الأمن أطلقت النار في الهواء لتفريق المحتجين المتنافسين، مدعيًا أن مجهولين أطلقوا النار أيضًا على المدنيين وعلى قوات الأمن.
توازيًا، ذكرت الداخلية السورية أن حق التظاهر والتعبير مكفول لجميع السوريين بدماء مليون شهيد سوري قدّمتهم الثورة السورية العظيمة، وأن الدولة السورية هي الضامن الوحيد لمطالب جميع أبناء الشعب السوري، محذرة من الانجرار وراء دعوات خارجية للفتنة. وأوضحت أن قوى الأمن الداخلي أمّنت التظاهرات في الساحل لمنع أي حوادث طارئة تستغلّها الجهات التي تروّج للفوضى.
في الأثناء، أفاد "المرصد السوري" بوقوع خرق جديد لوقف النار في محافظة السويداء، حيث أقدمت درون مُذخرة تابعة للقوات الحكومية والقوات الرديفة على استهداف محيط نقطة تابعة لـ "الحرس الوطني" في بلدة سليم في ريف السويداء الشمالي، تزامنًا مع سقوط قذائف هاون في محيط البلدة، مشيرًا إلى تسجيل سقوط قذائف هاون في محيط بلدة كفر اللحف، مصدرها مناطق تمركز القوات الحكومية والقوات الرديفة في بلدة ريمة حازم في الريف الشمالي الغربي، بينما أدانت الداخلية السورية "الاعتداء الإجرامي الذي استهدف حاجزًا أمنيًا في ريف السويداء الغربي، نفذته مجموعات خارجة عن القانون"، وأسفر عن مقتل عنصر وإصابة اثنين آخرين.
على صعيد آخر، استقبل الشرع بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني وفدًا من الكونغرس الأميركي برئاسة عضو مجلس النواب دارين لحود في دمشق، لبحث سبل تعزيز التعاون بين البلدين، حيث جرى خلال اللقاء تبادل وجهات النظر حول عدد من القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك، وتأكيد أهمية مواصلة التواصل البناء بين الجانبين، بما يخدم المصالح المشتركة ويسهم في دعم الاستقرار الإقليمي، حسب وكالة "سانا".