شربل صفير

الماضي يحكم الحاضر: الذاكرة السياسية وسؤال الوحدة في لبنان

ذاكرة الحرب في لبنان: سلاح الانقسام أم جسر للوطن؟

5 دقائق للقراءة

تسيطر الحروب القديمة على حاضر لبنان كأنها لم تنتهِ، تحرّك كل خطاب سياسي، توجّه كل ولاء، وتُعيد إنتاج الانقسامات على مر الأجيال. لم تعد الذاكرة الجماعية مجرد أرشيف للأحداث، بل أداة سياسية واجتماعية فاعلة، تتحكم في خيارات الأفراد والدولة، وتعيد تشكيل الهوية الوطنية. في بلد ينهار فيه الاقتصاد وتتهاوى المؤسسات، يظل العامل الأكثر تأثيرًا هو ذاكرة لم تُحسَم روايتها بعد، تجعل الماضي قوة حيّة توجّه الحاضر، وتعيد رسم حدود الانتماءات، وتؤثر على كل قرار سياسي واجتماعي.


الذاكرة كسلاح سياسي: روايات تُصنع لتوجيه الحاضر

وعند التعمّق في كيفية توظيف الذكريات الجماعية، يتضح أن روايات الحرب الأهلية ما زالت تُستَخدم لإعادة رسم حدود الانتماءات. فقد أدى تضخيم تضحيات جماعة بعينها وتهميش أخرى إلى تفكيك إمكانية صياغة رواية وطنية مشتركة، ما يفتح المجال أمام إعادة تدوير الخطاب الطائفي كلما احتدمت الأزمات. هذا الاستخدام الانتقائي للذاكرة، لا ينفصل عن طبيعة النظام اللبناني الذي يقوم في جوهره على تعبئة المشاعر التاريخية وتثبيت الهويات المتناحرة.

وفي هذا السياق، يبرز "الرادع الذاكري" كأداة سياسية تُستخدم عبر الاحتفالات الرسمية، والمناسبات التذكارية، والخطابات التي تستحضر الماضي عند كل مفترق سياسي. فالتاريخ يُستحضر لا لتفسير ما جرى، بل لتبرير ما يجب أن يجري وفق مصالح القوى النافذة. مقابل هذا الاستغلال، تعمل منظمات المجتمع المدني على إنتاج سرديات أكثر شمولًا، عبر لجان الحقيقة والمبادرات التعليمية التي تعيد الاعتبار للضحايا وتفتح الباب أمام مصالحة قائمة على الاعتراف لا على الإنكار.


ذاكرة تنتقل عبر الأجيال

ومع الانتقال إلى أثر الذاكرة على الأجيال التي لم تعش الحرب مباشرة، يتضح أن الماضي يمتلك قدرة على إعادة إنتاج نفسه عبر ما يُعرف بـ "ما بعد الذاكرة". فالأبناء يرثون روايات آبائهم كما لو كانت تجارب شخصية، ما ينعكس على رؤيتهم للعلاقات الاجتماعية وعلى خياراتهم السياسية. هذا الإرث يجعل الانقسامات القديمة تبدو وكأنها جزء من تكوين المجتمع، بينما هي في الحقيقة نتيجة الذاكرة المروية أكثر من كونها ذاكرة مُعاشة.

وتزداد الصورة تعقيدًا عند النظر إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية للصدمات الجماعية، إذ تخلّف الحرب والاختفاء القسري والتهجير شعورًا مزمنًا بانعدام الأمان. هذه الصدمات غير المعالجة تبقى قابلة للاستخدام السياسي، وكأنها خزان متجدّد يتم استدعاؤه عند كل مواجهة سياسية. وبذلك تتحول الذاكرة إلى عامل أساسي في هشاشة الاستقرار وفي النقص البنيوي في الثقة بين المكوّنات اللبنانية.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مشاريع حقيقية للعدالة الانتقالية، تقوم على توثيق الصدمات وفتح المجال أمام الضحايا للمطالبة بحقوقهم. فالذاكرة التي تُدار بشفافية تؤسس للثقة، بينما الذاكرة التي تُدار بالانتقاء تؤسس للانقسام. ويكتمل هذا المسار عبر إعادة النظر في الرموز التذكارية الواقفة في الفضاء العام، التي تحتاج إلى إعادة هندسة تعكس التجربة الوطنية المشتركة عبر متاحف ونُصُب ومعالم تفاعلية تشمل جميع اللبنانيين دون استثناء.


"لبنان يعيش ذاكرته كمساحة نفوذ سياسي"

وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير في الذاكرة الجماعية والعدالة الانتقالية، د. سامي مرتضى، في حديث لـ "نداء الوطن"، أن لبنان يعيش حالة فريدة من "تسييس الذاكرة"، إذ لم ينجح، حتى اليوم، في صياغة رواية وطنية موحّدة للحرب. ويرى مرتضى أن المشكلة لا تكمن في كثرة الروايات، بل في كون كل رواية تُستخدم بوصفها أداة سياسية بحد ذاتها، ما يجعل الذاكرة ليست مجرد سرد للتاريخ بل جزء من الصراع على السلطة.

وأشار إلى أن الطبقة السياسية تُدرك تمامًا خطورة تحريك الذكريات الطائفية، ولذلك تلجأ إليها عند كل استحقاق أو أزمة، مستفيدة من أن المجتمع لم يُنجز يومًا مسارًا للعدالة الانتقالية يسمح بطي الصفحة بطريقة عادلة. واعتبر أن الجيل الجديد، رغم أنه لم يشهد الحرب، يعيش تحت تأثيرها المباشر، إذ ورث "ذاكرة مُستعادة" عبر العائلة والمدرسة والإعلام، ما يعمّق الانقسامات بدل تجاوزها.

وأضاف مرتضى أن الطريق نحو بناء ذاكرة وطنية جامعة يمرّ حتمًا عبر توثيق شامل للحرب وتجارب الضحايا، وإقامة متحف وطني للذاكرة، وإطلاق مسارات حقيقة ومساءلة. وبرأيه، فإن أي نظام سياسي يُبنى دون مصالحة مع الماضي يبقى هشًا ومفتوحًا على احتمالات الانفجار.


الذاكرة في الحجر

في قلب بيروت، تنتشر النصب التذكارية والمعالم العامة التي يفترض أن تجمع اللبنانيين حول ذكرى مشتركة، لكنها غالبًا ما تعكس رواية جزئية تنتمي إلى طائفة أو فئة محددة. مثال ذلك، نصب الشهداء في ساحة الشهداء، الذي يُكرم الوطنيين الذين أعدمهم العثمانيون عام 1916، لكنه أصبح خلال الحرب الأهلية جزءًا من خط التقسيم الجغرافي بين بيروت الشرقية والغربية، وما زال يحمل أثر الرصاص على سطحه كشاهد على الصراع.

كما يُمثل نصب "أمل السلام" في اليرزة، تحيةً دالة للحرب، باستخدام دبابات وآليات عسكرية قديمة لتشكيل بناء تذكاري. هذا التمثيل يذكّر بالماضي بعنف، لكنه يثير تساؤلات عمّا إذا كانت هذه الرموز تعبّر عن السلام أو عن التمجيد للحرب.

غياب متحف وطني جامع للحرب الأهلية يترك فراغًا رمزيًا كبيرًا: آلاف الضحايا والمفقودين والنازحين لم تُوثق قصصهم ضمن سردية وطنية تحترم التنوع. النصب، بدلًا من أن يكون منبرًا للوحدة، غالبًا ما يتحول إلى أداة لتثبيت انتماءات محددة.


سلاح الانقسام أم جسر الوحدة؟

يبقى مستقبل لبنان السياسي مرتبطًا بشكل مباشر بالكيفية التي يدير بها شعبه ماضيه. فالذاكرة، حين تُستغل سياسيًا، تصبح أداة لتكريس الانقسامات وإعاقة الدولة، بينما إذا تم تحويلها إلى منصة اعتراف ومصالحة، تتحول إلى قوة قادرة على تأسيس هوية وطنية جامعة وإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين. السؤال المحوري اليوم لا يقتصر على أحداث الماضي، بل على كيفية استخدام هذه الذكريات: هل ستظل سلاحًا لتغذية الانقسام، أم ستصبح جسرًا نحو وطن متماسك، يواجه تحدياته بعقلانية ووحدة؟