الدكتور سايد حرقص

شيعة لبنان من الهيمنة إلى الانتحار

4 دقائق للقراءة

في كتابه «لبنان: الإصلاح المردود والخراب المنشود» الصادر عام 2012، يوضح الباحث أحمد بيضون أن صعود "حزب الله" إلى قلب النظام اللبناني لم يعزز الدولة، بل كشف هشاشتها البنيوية. يشرح بيضون أن وجود «قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة» خلق ازدواجية في السيادة جعلت الدولة عاجزة عن اتخاذ القرارات المصيرية، وأدى إلى أن تعمل المؤسسات الرسمية «ضمن هامش ضيق تحدده القوة الغالبة». ويشير إلى أن احتكار "حزب الله" تمثيل الطائفة الشيعية حولها من شريك محتمل في بناء الدولة إلى قوة ضاغطة تمتلك أدوات تفوق أدوات الدولة، ما يحوّل أي إصلاح سياسي إلى إصلاح مردود. وفي هذا السياق، يرى بيضون أن تمدد "حزب الله" داخل الدولة أصبح أحد أبرز عوامل «الخراب الموعود»، إذ تتحوّل الدولة من كيان قادر على إدارة مصالحه إلى «قشرة» تفقد مضمون سيادتها وفعاليتها.

في سنة 2023، تحققت نظريات الباحث أحمد بيضون، حين قرر «"حزب الله"» منفردًا، تحت شعار «توسيع الجبهة دعمًا لغزّة»، المشاركة في الحرب. شكّل هذا القرار منعطفًا خطيرًا وضع لبنان عامةً والطائفة الشيعية بأسرها أمام خيارات مصيرية، وأظهر للعالم أن الدولة اللبنانية بكل أجهزتها هي في الحقيقة مجرد «قشرة» لدولة "حزب الله".

انتهت تلك الحرب إلى اتفاق غامض لوقف النار، ما زال اللبنانيون حتى اليوم يجهلون تفاصيله الحقيقية. ومنذ ذلك الحين، يعيش الجنوب في هدنة هشة تسمح لإسرائيل بالتحرك بحرية، تغتال من تشاء وتقصف ما تشاء، فيما يكتفي الحزب بإصدار بيانات تهديد وتصريحات داخلية فقدت صدقيتها ولم تعد تُقنع حتى جمهوره المرهق من الحروب والتهجير، خاصة بعد تجاوز إسرائيل كل الخطوط الحمر باغتيال القيادي العسكري الأساسي هيثم علي الطبطبائي في قلب الضاحية الجنوبية.

تلك الحرب التي سُمّيت بـ“حرب الإسناد” لم تُسفر إلا عن خسائر بشرية ومادية كارثية. فبحسب تقرير البنك الدولي، خسر لبنان نحو 5.1 مليار دولار بين تشرين الأول 2023 وتشرين الأول 2024 في قطاعات حيوية كالتجارة والسياحة والزراعة. وسقط أكثر من 4000 قتيل و16 ألف جريح، معظمهم من المدنيين، في حربٍ وُصفت بأنها عبثية ومجانية. إلى جانب ذلك، تسببت الغارات الإسرائيلية بنزوح آلاف العائلات من الجنوب والبقاع، في وقتٍ تتقاذفه الأزمات الاقتصادية والانهيار المالي والعزلة الدولية.

لم يعد السلاح وسيلةً للدفاع، بل أصبح أداةً بيد مشروعٍ يتجاوز حدود لبنان، ورهينةً للوظيفة التي أوكلها إليه الوليّ الفقيه، في إطار الارتباط البنيوي بالمشروع الإيراني الإقليمي.

لكنّ التحوّل الأخطر تمثّل في أن «"حزب الله"» قدّم صورةً أحادية للطائفة الشيعية، فاختصرها في الولاء للوليّ الفقيه، مُلغياً إرثاً وطنياً عريقاً لشخصياتٍ شيعية لبنانية شكّلت ركائز في الحياة السياسية والفكرية والدينية، مثل صبري حمادة، عادل عسيران، أحمد الأسعد، كامل الاسعد، حسين الحسيني، وكامل مروة، مهدي عامل،الامام موسى الصدر، السيد محمد حسين فضل الله, الامام محمد مهدي شمس الدين...النائب حبيب صادق وأحمد بيضون...وبهذا المعنى، انتحرت الطائفة معنوياً حين ربطت مصيرها بمشروعٍ عابرٍ للحدود، يُستنزَف فيه أبناؤها بلا أفقٍ ولا أمل.

كان صعود الشيعة في العقود الماضية محاولةً للخروج من التهميش التاريخي، أمّا اليوم فنشهد اتجاهاً نحو انتحارٍ جماعي: فالقوّة التي منحت الطائفة مكانتها تحوّلت إلى عبءٍ يهدّد حياة أبنائها ومستقبلهم.

إنّ البيئة الشيعية تبدو اليوم متماسكة في الظاهر، لكنها أكثر انقساماً في الباطن من أيّ وقتٍ مضى: فهناك من يرى في الحزب «درع الوجود الشيعي»، ومن يلتزم الصمت مُنهكاً من الحروب المتكرّرة. وبين هؤلاء، تتهاوى هالة «النصر الإلهي»، ويتقدّم إلى الواجهة السؤال البسيط والمخيف في آنٍ معاً: أين الدولة؟

يقف الشيعة اللبنانيون اليوم أمام مفترق طرقٍ حاسم:

إمّا الاستمرار في نهج السلاح والمواجهة حتى النهاية،

وإمّا الشروع في مراجعةٍ جذرية تُعيد تعريف دورهم كشركاء في مشروع الدولة، لا كأدواتٍ في مشروعٍ إقليمي.

فبعد حرب الإسناد الفاشلة، تحوّل “النصر الإلهي” إلى متلازمةٍ تُخدّر الوعي وتُبرّر العجز. والعودة إلى منطق الدولة وحدها قادرة على إنقاذ الطائفة الشيعية من الانتحار البطيء الذي يدفعها إليه "حزب الله" باسم “الدولة الإسلامية الكبرى” التي يرعاها الإمام الخامنئي.