في رحلته الرسولية الأولى إلى الخارج، وصل البابا لاوون الرابع عشر اليوم إلى أنقرة، ليبدأ المرحلة الأولى من رحلته التي تستمر من 27 تشرين الثاني حتى 3 كانون الأول، وتشمل تركيا ولبنان. وتأتي هذه الزيارة بالتزامن مع احتفالات الكنيسة بالذكرى الـ1700 للمجمع المسكوني الأول في نيقية.
بدأت الرحلة اليوم في قصر الرئاسة التركي، ثم في مكتبة الأمة، حيث اجتمعت السلطات والمجتمع المدني وأعضاء السلك الدبلوماسي للاستماع إلى أول كلمات للبابا خلال هذه الزيارة.
خاطب البابا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، معبرًا عن شكره للترحيب الحار، مشيرًا إلى تركيا بوصفها "مرتبطة بشكل لا ينفصل بأصول المسيحية"، لكنها أيضًا بلد يجمع أبناء إبراهيم جميعًا - مسلمين ومسيحيين ويهودًا -ليتعرفوا على الاختلاف ليس كسبب للانقسام، بل كطريق نحو الأخوة.
كما تأمل البابا في جمال البلاد الطبيعي وتنوعها الثقافي الغني، واصفًا إياهما كتذكير بأن الحضارة الإنسانية تزدهر حيث تلتقي الأجيال والأفكار والتقاليد. وشدد على أن هذا التنوع ليس تهديدًا، بل حاميًا للحيوية الاجتماعية، مؤكدًا أن الجسور - الحقيقية والرمزية - هي ما يحافظ على مجتمع مدني متماسك، مضيفًا: "التجانس سيكون فقراً".
أوضح البابا أن رمز الرحلة يصور جسر مضيق الدردنيل، الذي يمثل هوية تركيا الفريدة: أمة تصل آسيا بأوروبا، لكنها تربط نفسها من الشرق إلى الغرب، ومن التقليد إلى الحداثة، ومن الاختلاف إلى الوحدة.
وفي عالم يشهد توترات وانقسامات، حذر البابا من خطر التفكك الاجتماعي، مشيرًا إلى استعداد المسيحيين في تركيا للإسهام إيجابيًا في وحدة البلاد، مستذكرًا محبة القديس يوحنا الثالث والعشرين، الذي خدم في تركيا، ودعوته لثقافة اللقاء، معتبرًا أن كلماته ما تزال ذات صلة اليوم.
استشهد البابا بصورة من الإنجيل تُظهر الله كصانع جسور، الذي كشف عن ذاته وأنشأ ممراً بين السماء والأرض لتتعلم القلوب محاكاة شفقته. وأكد أن العدالة والرحمة يجب أن تتحدى منطق الهيمنة، وأن التعاطف والتضامن—وليس القوة—يجب أن يكون المقياس الحقيقي للتنمية.
وحذر من مخاطر التقدم التكنولوجي المنفصل عن الأخلاق، مذكّرًا بأن الذكاء الاصطناعي في النهاية يضخم خيارات البشر، وقال: "العمليات ليست من صنع الآلات، بل من صنع البشرية نفسها"، داعيًا القادة للعمل معًا "لإصلاح ما لحق بوحدة عائلتنا الإنسانية".
ركز البابا على الأسرة بوصفها "النواة الأولى للحياة الاجتماعية"، المكان الذي يتعلم فيه كل شخص الحقيقة الأساسية: "بدون الآخر، لا يوجد أنا". وأشاد بجهود تركيا لتعزيز دور الأسرة، مع الإقرار بالمخاطر التي قد تواجهها أي أسرة إذا عزلت نفسها أو قيدت أصوات أفرادها.
وأكد أن السعادة لا تأتي من الفردية أو ازدراء الروابط الزوجية والانفتاح على الحياة. وحذر من ثقافات الاستهلاك التي تحول الوحدة إلى سلعة، داعيًا إلى "ثقافة تقدّر المودة والارتباط الشخصي"، مع احترام الحب الزوجي والمساهمة الضرورية للنساء. وأشار إلى أن النساء يثْرِينَ البلاد بشكل متزايد من خلال الدراسة والعمل المهني والخدمة العامة والقيادة الثقافية.
أعرب البابا عن أمله في أن تستمر تركيا كـ"مصدر استقرار وتقارب بين الشعوب"، مستذكرًا زيارات الباباوات بولس السادس ويوحنا بولس الثاني وبنديكتوس السادس عشر وفرانسيس. وأكد أن زيارته المرتبطة بذكرى نيقية تعكس الحاجة الدائمة للحوار واللقاء.
وفي وقت يشهد العالم صراعات متزايدة، حذر من ما وصفه البابا فرانسيس بـ"حرب عالمية ثالثة تُشن على مراحل"، مشددًا على أن الدول تستثمر طاقاتها في ديناميات مدمرة بدل مواجهة تحديات السلام المشترك، مكافحة الجوع، حماية البيئة، وتأمين التعليم والصحة للجميع.
أكد البابا أن الكرسي الرسولي يأتي بـ"قوته الروحية والأخلاقية فقط"، لكنه حريص على العمل مع جميع الدول الملتزمة بالتنمية المتكاملة لكل شخص، واختتم قائلاً: "دعونا نسير معًا، في الحقيقة والصداقة، واثقين بتواضع في مساعدة الله".