كان وزير الأشغال العامة فايز رسامني صادقًا في مؤتمره الصحافي الذي أعقب "اجتماع العمل" مع نواب البقاع ورؤساء بلدياتها لمناقشة طريق ضهر البيدر وواقعه "المستفحل سوءًا" مساء الخميس الماضي. فخلاصة ما قاله إن لا أموال متوفرة لاستكمال الأوتوستراد العربي. وبدون هذه الأموال سيبقى هذا الملف مطروحًا على طاولة كل حكومة، إلى أن "تفرج". علمًا أن الأوتوستراد الذي أُنفق على أجزائه المنجزة حتى ما قبل انفجار الأزمة اللبنانية مبلغ 122 مليون دولار، صار يحتاج إلى ما يفوق هذا المبلغ بمرة ونصف، لاستكمال أجزائه المتبقية، وتصحيح الأخطاء الفنية التي ظهرت في أجزائه المنجزة، بالإضافة إلى استكمال الاستملاكات المطلوبة. وهذا يعني أن الملف مرجّح أيضًا للترحيل إلى طاولة الحكومة الأولى بعد الانتخابات النيابية المرتقبة في العام المقبل، علّه يتوفر التمويل من بعدها.
وعود تُستعاد… وتمويل لا يتوفر
سَحب كلام رسامني في المقابل مطلب الأوتوستراد العربي من البازار الانتخابي، حتى لو بقي وعدًا "انتخابيًا" يُدرج في برامج المرشحين، في استنساخ كلي لكل البرامج الانتخابية منذ توقيع اتفاق الطائف. وهذا أيضًا يبدو حال "نفق ضهر البيدر" الموعود. فالنفق، الذي تحول قانونًا في العام 2020، وأعيد إحياؤه في العام 2024، لم يجد حتى الآن ما يموّل دراسته. وكل الكلام عن جهة صينية أبدت اهتمامًا بالاطلاع على تفاصيله، لم يتجاوز حدّ الاطلاع، من دون أي تقدّم فعلي باتجاه عرض لاستكمال الدراسات وفق طريقة الـ BOT.
وعليه، وبعد أن فهم نواب البقاع كما رؤساء البلديات أن المطلبين لم يعودا مجديين في الحراك السياسي على مشارف الانتخابات، انحصر النقاش في "لقاء العمل" الذي عقد مع وزير الأشغال، بتقليص حوادث السيارات والشاحنات، وتأمين شروط السلامة العامة والسلاسة المرورية ولو بالحد الأدنى. فطُرح "ترقيع" بعض الحفر، توسيع بعض الأجزاء حيث أمكن، إقامة فواصل طرقية وفقًا لما يتوفر من إمكانيات مالية ولوجستية. كما جرى البحث بإعادة جدولة أوقات مرور الشاحنات بما يؤمن انسياب البضائع من وإلى البقاع، ومنه إلى الحدود اللبنانية. وإعادة النقاش في جدوى المركز العسكري الموجود على جسر النملية، مع تأمين إنارة الطريق حتى ولو بعد طول انتظار.
أما مشروعا الأوتوستراد العربي ونفق ضهر البيدر فقد يبقيان حبرًا على ورق. وإحياء ملفيهما ليس سوى من قبيل إبقاء ذكرهما مؤبّدًا، علّه، يومًا ما، يصير البقاع واحدًا من أولويات الأطراف السياسية التي تتنافس على مقاعده النيابية، فتتوحد جهودها ولو لمشروع حيوي واحد يبقي البقاعيين سالمين آمنين على طرقاتهم، حتى يبقى لهم من ينتخب نوابهم مستقبلًا.
تمويل ناقص - استملاكات خلافية - وثقة عربية مهدورة
منذ عام 2009، بدا مشروع الأوتوستراد العربي وكأنه بداية خلاص لمنطقة البقاع. فمع إعطاء أمر المباشرة، انطلقت الورشة على أمل شق طريق حديث يختصر المسافات ويحرّر الناس من معاناة ضهر البيدر. لكن سرعان ما تبيّن أن التمويل المتوفر أقل بكثير مما يحتاجه المشروع، فاقتصر التنفيذ على مقطع تعنايل – جسر النملية، فيما بقي الجزء الواصل إلى المديرج معلّقًا بانتظار أموال لم تصل أبدًا.
في السنوات التالية، دخل المشروع في دوامة من الاعتراضات على الاستملاكات، ومفاوضات لا تنتهي مع الأهالي، وتأخيرات رفعت كلفتها عشرات الملايين فوق التقديرات الأولى. ومع ذلك، استمر العمل في إنجاز الأوتوستراد، وأُنجز جزء كبير من البنية الأساسية، إلى أن واجه المشروع عقبة امتناع الدولة اللبنانية نفسها عن دفع أكثر من عشرين مليون دولار من مستحقاتها، رغم أن التمويل الخارجي استمر بالتدفق بانتظام. فلم تقتصر تداعيات الأمر على تعميق الفجوة المالية التي حالت دون استكمال المشروع، بل تعدتها إلى فقدان ثقة المموّلين العرب الذين لجأت إليهم الدولة لتمويل هذا الأوتوستراد منذ البداية، وبات الحصول على مزيد من الدعم لاستكمال الأعمال المطلوبة أصعب في المرحلة الحالية.
إلى اهتزاز التمويل، اصطدم استكمال الأوتوستراد بين عامي 2010 و2015 بسلسلة اعتراضات في جديتا وجلالا، وبامتناع أصحاب عقارات مستملكة عن الإخلاء بسبب الخلاف على التخمين. لتأتي الضربة القاضية بين عامي 2019 و2020 من خلال ما ظهر من انزلاقات تربة خطيرة في المقطع الجبلي بين جديتا وجسر النملية. وضعت دراسة هندسية حلولًا لهذه الانزلاقات، ذكرها رسامني أيضًا في مؤتمره الصحافي، وتبيّن أن كلفتها وحدها أكثر من مئة مليون دولار، بعد محاولة خفضها. وهو مبلغ يفوق إمكانيات الدولة، وفقًا لما صارح به رسامني الوفد البقاعي خلال اللقاء معه.
وهكذا، تحول مشروع الأوتوستراد من حلم إنمائي لأبناء البقاع إلى ورشة معلّقة، تشهد عليها أجزاء الأوتوستراد التي ينقطع وصلها على مشارف حاجز الجيش اللبناني عند جسر النملية، بما يعكس تراكم العقبات التي حالت دون استكمال هذا المشروع الحيوي، مع أنه لو استُكمل في وقته كان يمكن أن يغيّر وجه المنطقة.
النفق والأوتوستراد تشابه بالمصير!
غير أن دخول مشروع الأوتوستراد العربي بقاعًا في هذا النفق المظلم لم يكن مجرد تعثر تقني أو نقص تمويل، بل شكّل خلاصة طريقة كاملة في إدارة مشاريع البنى التحتية، والتي غالبًا ما تكون بداياتها متحمّسة، إنما مواردها غير مكتملة، وحولها نزاعات محلية غير محسومة. وقد تكاملت كل هذه العناصر مع انهيار مالي أطاح بكل الأحلام، وعمّق الهوّة بينها وبين القدرة على تحويلها حقيقة.
شكل "نفق ضهر البيدر" واحدًا من تلك الأحلام غير المحققة أيضًا. فبعد نحو أربع سنوات على المهلة التي منحها مجلس النواب للحكومة في نيسان 2020 لإعداد دراسة جدوى اقتصادية لهذا الملف، ظن البقاعيون أنه تحرّك فعلًا. ففي 28 شباط 2024، قرّر مجلس الوزراء تكليف مجلس الإنماء والإعمار المباشرة بالدراسات المطلوبة، في خطوة عُدّت أول ترجمة فعلية للقانون 174/2020 الذي أرسى الإطار التشريعي لإنشاء نفق بطول يقارب 25 كلم يصل مرفأ بيروت بالبقاع مباشرة.
غاب ذكر النفق كليًا في المؤتمر الصحافي بعد اجتماع رسامني مع النواب ورؤساء بلديات البقاع، مع أنه كان حاضرًا في النقاش الذي دار مع مجلس الإنماء والإعمار، وفقًا للمعلومات. فبموجب المادة الأولى من قرار مجلس الوزراء الصادر في العام 2024، أُسندت إلى مجلس الإنماء والإعمار المهمة التأسيسية للمشروع، من خلال تكليفه إجراء دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية والبيئية، كمنطلق لتلزيمه لاحقًا وفق نظام الـ BOT . أي أن المجلس يملك عبر هذه الدراسة "الخارطة التقنية" التي على أساسها تُستدرج العروض الاستثمارية.
قراءة في جذور الحلم المؤجّل
منذ ستينات القرن الماضي، كان حلم شق "نفق ضهر البيدر" يتردّد كهمس بعيد المنال في أروقة الدولة. ففي تلك المرحلة كان بعض النواب، ومنهم الراحل موريس الجميل، يرون في النفق إمكانية لربط الساحل بالبقاع بسكة حديد ومسارات للسيارات. إلا أن السياسة، بوجوهها المتغيرة وحساسياتها القديمة، كانت دائمًا قادرة على كبح المبادرات.
تظهر قراءة في أرشيفات الصحافة اللبنانية، أن الحكومة خطت أول محاولة جدّية عام 1963، يوم كلّفت مكتبًا استشاريًا يابانيًا إعداد دراسة شاملة ضمن برنامج التعاون الفني لما وراء البحار. وضع الفريق الياباني خرائط مفصلة، واقتراحات للمسار، ومعايير هندسية متقدمة على زمنها، ثم سُلّمت إلى لجنة خاصة في وزارة الأشغال لدراستها. بدا المشهد حينها واعدًا ومفعمًا بالخطط الطموحة. ومع ذلك، بقي النفق حبيس الأدراج، ولم يُكتب لتلك الدراسة أن تتحوّل إلى ورشة عمل. إلى أن جاءت الحروب المتتالية التي عصفت بالبلاد لاحقًا لتجهز على ما تبقى من المشروع.
أقله عواميد الإنارة قد تضاء مجددًا خلال شهرين
مرّت العقود وتبدّلت الحكومات والنزاعات، لكن الفكرة بقيت. ثم جاء العقد الثاني من القرن الحالي، ليعيد بعض الأمل. وضعت شركة إيطالية دراسة تقنية متقدمة، تُحدّد نفقًا بطول 26 كلم يمتد من مرفأ بيروت إلى تعنايل، بكلفة تقدّر بـ 2.3 مليار دولار، ضمن رؤية لتحويل لبنان إلى مركز عبور بضائع نحو سوريا والعراق، واستيعاب مليونَي مستوعب سنويًا. بدا المشروع استراتيجيًا قادرًا على تغيير وجه البقاع، لكن الظروف السياسية، ثم انفجار مرفأ بيروت، أعادا الملف إلى نقطة الصفر.
في نيسان 2020، صادق مجلس النواب على القانون 174/2020 القاضي بإنشاء النفق بطول 25 كلم وفق نظام الـ BOT، محددًا للمرة الأولى مسارًا قانونيًا واضحًا. منح النواب الحكومة مهلة ستة أشهر لإجراء دراسة الجدوى الاقتصادية، لكن المهلة امتدّت وتراخت، وتقلّبت الحكومات، حتى دخل المشروع في غيبوبة جديدة.
أربع سنوات كاملة مرّت قبل أن يعود الضوء فجأة من جديد. ففي 28 شباط 2024، قرر مجلس الوزراء تكليف مجلس الإنماء والإعمار البدء بإجراء الدراسات. بدا القرار أشبه بمن ينفض الغبار عن حلم قديم، مع دعوة اللبنانيين إلى "حفظ هذا التاريخ" وانتظار ما ستؤول إليه الأمور. ورغم أن القرار لم يبشر أبدًا بانطلاق فوري في التنفيذ، فإنه شكل أول خطوة فعلية منذ صدور القانون.
غُيّب الحديث عن هذا النفق مجددًا من بين الحلول المقترحة، مقابل استبعاد الأوتوستراد العربي كحل. هذا في وقت تقلّصت فيه أحلام البقاعيين من أوتوسترادات واسعة وأنفاق، إلى طريق آمن لا يحملون عليه أرواحهم بأيديهم كلما اجتازوه، ولا يعلقون في زحمته لساعات، ولا يعزلهم عن سائر أجزاء لبنان كلما تساقطت الثلوج، ولا تنهار أجزاؤه مع الأمطار. قد لا يتحقق حلمهم بكل ذلك، لكنهم موعودون بأنهم سيستمرون باختبار ذلك، أقله على طريق تضاء أعمدته العامة مجددًا. علّ الوعود هذه المرة تصدق وتتحقق.