مروان الشدياق

رسولُ السلام من نيقية إلى بيروت: تمهيدٌ لوحدة الإيمان ورجاء لبنان

4 دقائق للقراءة
البابا لاوون الرابع عشر والبطريرك برثلماوس الأول في إزنيك

بين ذكرى مجمع نيقية الأوّل بعد 1700 عام، وموعد بيروت مع رسالة سلام متجدّدة، خطّ قداسة البابا لاوون الرابع عشر محطّاته التركية كأنها جسرٌ لاهوتي - إنساني يصل الإيمان بالفعل والسياسة بالأخلاق. زيارةٌ افتتاحية في حبريّته، عالية الرمزية والدلالات، تُمهِّد للقاء المرتقب في لبنان حيث تنتظر البلاد كلمةً قادرة على إعادة توجيه البوصلة في زمن الانقسام.

في أنقرة، انطلقت الصورة من بروتوكولٍ صارم ودلالةٍ مقصودة: استقبال رسمي في مطار إيسينبوغا، وزيارة ضريح مؤسِّس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك ووضع إكليل باسمه، ثم مراسم شرف في القصر الرئاسي واجتماع مغلق مع الرئيس رجب طيب أردوغان. هناك صاغ البابا نداءه الأول: رفضُ الاستقطاب وبناءُ جسور الحوار، مؤكّدًا أن التنوّع ليس تهديدًا بل ضمانة لحيوية المجتمع، وأن "التطابق" يفضي إلى الفقر المعنوي. ومن "مكتبة الأمة" شدّد على أن الله "بنّاء الجسور"، وأن العدالة والرحمة معيار لأي تنمية، محذرًا من تقدّمٍ تقنيّ ينعزل عن الأخلاق، ومذكّرًا بمسؤولية الإنسان، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي، عن توجيه أدواته نحو الخير المشترك.

في إسطنبول، عاد الحبر الأعظم إلى الداخل الكنسي: من كاتدرائية الروح القدس مع الأساقفة والمكرسين والمكرسات رسم "منطق الصِغر" طريقًا للرجاء في كنيسةٍ قليلة العدد وافرة الرسالة، فالفعالية ليست بالأرقام بل بالثقة بوعد الرب. حدّد ثلاث أولويات واضحة: حوارٌ مسكوني وبين الأديان، نقلُ الإيمان بلغة الثقافة المحلّية، وخدمة اللاجئين والمهاجرين "بوصفهم من أكثر الفئات هشاشة". وعلى ضفة الذكرى النيقاوية، نبّه إلى ثلاث ضرورات راهنة: الإمساك بجوهر الإيمان كـ "بوصلة" للوحدة، الحذر من "أريوسيّةٍ جديدة" تُنزل المسيح إلى مجرّد شخصيةٍ مُلهِمة، وفهم تطوّر العقيدة كتعمّقٍ حيّ في التعبير عن حقائق لا تتبدّل.

رمزيًا، قدّم للرئيس أردوغان لوحة وسامٍ أُنجزت خصيصًا لهذه الزيارة، تجمع القديس شربل والقديس أندراوس مع رموز تركيا ولبنان، في إيماءةٍ بصريةٍ صريحة إلى الجسر الذي يسبق العبور إلى بيروت.

ولم تَغِب العلامة الاجتماعية، زيارة إنسانية إلى دارٍ للمسنّين تديره "راهبات الفقراء الصغيرات"، سمّى فيها المسنّين "حِكمة الشعوب"، شاكرًا خدمةً تقوم أولًا على الشركة والأخوّة قبل أي فعلٍ مؤسسي. كما التقى الحاخام الأكبر لتركيا دافيد سَوي، تأكيدًا لـ "ثقافة اللقاء" التي تستعيد بُعدها الإبراهيمي المشترك.

القلب اللاهوتي للرحلة كان في إزنيك (نيقية القديمة): صلاةٌ مسكونية شارك فيها نحو 27 من رؤساء الكنائس وقادتها. هناك سأل البابا السؤال الجوهري: "من هو يسوع المسيح بالنسبة لنا؟" واستعاد قانون الإيمان النيقاوي - القسطنطيني باعتباره رباطًا لوحدة المسيحيين وبوصلةً للتمييز. دعا إلى "رفضٍ قاطع" لتسويغ العنف بالدين، وإلى طرقٍ لا تملّ من الأخوّة والحوار والتعاون، فالرغبة في وحدة المؤمنين تتلازم مع السعي إلى أخوّةٍ إنسانيةٍ شاملة.

على الضفة اللبنانية، تتكثف التحضيرات قبل الوصول. فعلمت "نداء الوطن" أن أوساط الكرسي الرسولي تتهيّأ لجدول لقاءاتٍ خاصة في مقرّ السفارة البابوية لن يُعلن عنها مسبقًا. ويتم في الكواليس العمل على إقناع الأوساط الفاتيكانية بتبريك البابا لاوون الرابع عشر لحجر أساس يعود لمبنى جديد لإحدى الوسائل الإعلامية وذلك بعد لقاء الأساقفة والمكرسين، ما لاقى استغرابًا من الدوائر الفاتيكانية من حيث إتمام الأمر لوجستيا، وبحسب ما علمت "نداء الوطن" أنه من المرجح أن يقابل الطلب بالرفض.

يبقى أن لبنان، ببلدياته ورعاياه واتحادات بلدياته، يرتب المشهد الشعبي على الطرقات، فيما تنتظر القلوب كلمةً تعيد وصل "الرجاء الجديد" الذي حمله البابا القديس يوحنا بولس الثاني و "شركة وشهادة" التي ثبّتها البابا بنديكتوس السادس عشر، بنداء سلامٍ عمليّ يطرحه البابا لاوون الرابع عشر: سلامٌ يبدأ من الضمائر قبل البيانات، ومن كرامة الإنسان قبل خرائط السياسة.

فمن مطار أنقرة إلى قاعة نيقية، ومن دار المسنّين إلى كاتدرائية الروح، وضع البابا حجارة بناءٍ في زمن تهدّمه الشعبوية والحروب. وغدًا، حين تحطّ الطائرة في بيروت، سيكون الاستحقاق لبنانيًّا بامتياز: هل نصغي إلى "جسر" يُعاد بناؤه بيننا؟ وهل نسمح لكلمةٍ أن تصير فعلًا؟ زيارةُ رسول السلام لن تُبدّل الواقع في ليلة، لكنها قادرة أن تعيد رسم خرائط القلوب، وأن تذكّر بأن لبنان، مهما اشتدّت التجارب، لا يزال "أرض رسالة" تنتظر قيامتها.