جوني داغر

عصا البابا السحرية

3 دقائق للقراءة

هناك ميلٌ عند اللبنانيين عموماً، والمسيحيين خصوصاً، إلى الاعتبار أنّ التغيير الحقيقي يأتي من الخارج على شكل إنقلابٍ مفاجئ أو دعمٍ خارق بواسطة عصا سحرية ستُثبِّت وجودهم، من هنا نفهم حجم الآمال الملقاة على زيارة البابا لاوون الرابع عشر.

لكن التغيير الحقيقي يأتي من الداخل، في نظرتنا إلى الأمور وتفاعلنا مع الواقع والأحداث.

سأتناول في هذه الأسطر المقتضبة ثلاثة أبعاد تتعلّق بصلب قضيّة الوجود المسيحي في لبنان:

القضيّة الأولى: النظرة إلى الدولة.

كانت عقود الإحتلال السوري والهيمنة الخارجية كفيلة بتهشيم صورة الدولة القادرة والعادلة لدى المسيحيين، وجاءت الأزمة الاقتصادية الخانقة وتردّي الواقع المالي في القطاع العام لتزيد النفور غير المسبوق من دخول سلك الدولة لدى المسيحيين.

اليوم، مع العهد السياسي الجديد، ومع ما تمثّله شخصية الرئيس جوزاف عون من رمزٍ شعبي مسيحي يجسّد التوجّهات العميقة لهذا المجتمع، تقع المسؤولية على الجانبين لردم هذه الهوّة:

– على الدولة تحسين واقع القطاع العام وتحفيز الدخول إلى الأسلاك الأمنية، وهنا تبرز فكرة خدمة العلم كمدماكٍ في هذا الدرب.

– وعلى المسيحيين، إذا كانوا صادقين في رغبتهم بإرساء دولة تشبه تطلّعاتهم، أن ينخرطوا بكلّ قواهم الحيّة في معترك العودة بزخمٍ إلى القطاع العام.

القضيّة الثانية: التراجع الديمغرافي.

إنّ الديمغرافيا هي التي تصنع التاريخ، وليس العكس.

يوم كانت نسب الإنجاب مرتفعة عند المسيحيين في القرن السابع عشر، تمدّدوا نحو جبل لبنان الجنوبي وصولاً إلى أقاصي الجنوب، فآلت إليهم السلطة وأخذت أحوالهم بالانتظام والتطوّر.

أمّا اليوم، فالواقع في المقلب الآخر: هجرة، إستبدال ديمغرافي حتى في مناطق المركز، أعداد وفيّات تفوق عدد الولادات، وإحباط شبابي مستشرٍ.

هذا الواقع يضع الكنيسة أمام مسؤولية تاريخية تشبه تلك التي وقعت على كاهلها خلال مجاعة الحرب العالمية الأولى، يوم ردعت خطر الإبادة بالجوع عن شعبها.

الإبادة الاقتصادية اليوم لا تقلّ خطورة، والتعامل معها بخفّة يرتّب نتائج مفجعة على مستقبل المسيحيين.

القضيّة الثالثة: النظرة إلى المشروع السياسي.

الغالبية المسيحية اليوم تنادي باللامركزية الموسّعة على أقلّ تقدير، وبما هو أبعد من الفيدرالية في الحدّ الأقصى للحفاظ على ما تبقّى.

وظيفة الأحزاب هي تجسيد إرادة ناخبيها.

ألم يحن الوقت لتصبح قضيتنا المركزية قلبَ النظام المركزي الذي لم يجلب سوى الأزمات المستمرة؟

أم ننتظر فوات الأوان؟

أختم بالمزمور 127 الذي فحواه أنّه "إن لم يبنِ الربّ البيت فباطلاً يتعب البنّاؤون".

نحن أرباب بيتنا ووجودنا.

زيارة قداسة البابا تعزية، تشجيع، وتذكير بأنّه مهما عَظُم الشرّ وكثرت حيله، سيبقى المسيح سيّد السلام وسيّد التاريخ.

ونحن شعبه وأولاد بلاده، ويده في تاريخ البشرية.