يعيش لبنان كمن هو معلّق فوق وادٍ من الحمم والنار، وقد وصلته أخيرًا نسمةُ هواءٍ عليل، لا يعرف إن كانت مقدّمة نجاة أم استراحة قصيرة قبل السقوط. فمن جهة، تهبّ عليه حممٌ ملوّنة بألوان الموت والدمار، تتأرجح بين التوجيهات الإيرانية التي تعتبر السلاح «مقدّسًا» قبل الخبز والماء، وبين التحذيرات الأميركية ـ الإسرائيلية التي تلوّح بفتح أبواب الجحيم. ومن جهة أخرى، وصل إليه زائرٌ بعباءة بيضاء يحمل رسالة سلام ومحبة، كتب في سجلّ الشرف في القصر الجمهوري اللبناني:«في اليوم الأول من زيارتي إلى لبنان، أحد البلدين اللذين أزورهما في هذه الرحلة الرسولية الأولى في حبريّتي، أتمنّى بفرحٍ بركاتٍ كثيرة لجميع شعب لبنان، مصلّيًا أن يسود السلام».
وبين هاتين الصورتين، يتنفّس بلدٌ أنهكته الحروب حتى صار يعيش بين التوتر والرجاء، يترقّب خيط أملٍ يبدّد هذا الظلام الطويل.
في الواجهة الأولى من المشهد، تتراكم الإشارات السوداء والرسائل الإيرانية التي تدفع «حزب الله» إلى التمسّك برفض تسليم سلاحه، والترويج لفكرة «التعافي الجهادي»، واستفزاز الدولة اللبنانية، وتهديد المعارضين للسلاح في الداخل. وقد أدّت هذه التحركات غير المدروسة إلى إلغاء مواعيد قائد الجيش في واشنطن، بعدما أثارت شكوكًا حول قدرة الدولة على الإمساك بقرارها السيادي. كما منحت إسرائيل ذريعة جديدة؛ فجاء اغتيال هيثم علي الطبطبائي، القيادي العسكري في «حزب الله»، بمثابة رسالة واضحة مفادها أنّ ترميم البنية العسكرية للحزب ممنوع، وأنّ الحرب ستستمر بلا أفق، مهما كانت المخاطر.
وعلى الضفة الأخرى، يظهر مشهدٌ نقيض تمامًا: زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى بيروت. رجلٌ يحمل إلى اللبنانيين لمسةً تُعيد للجرح بعضًا من بلسم الشفاء. فالزيارة ليست احتفالًا طقسيًا، بل حدثًا سياسيًا بامتياز، لأن الفاتيكان لا يملك أساطيل ولا آلات دمار، لكنه يملك قوة الكلمة، وحرارة المحبة، ودفءَ الإيمان. ولا يمكن أن تُرسِل الكنيسة رأسها الروحي إلى بلدٍ على فوهة انفجار من دون قراءة دقيقة لخرائط المنطقة وضمانات دولية واضحة.
وقد تقاطعت هذه الزيارة، بشكل لافت، مع موقف المرجع الشيعي الكبير علي السيستاني الذي دعا طهران مرارًا إلى التوقف عن المقامرة بمصير شيعة لبنان، وعدم تحويلهم وقودًا لصراعات إقليمية لا تشبههم ولا تشبه بلدهم. السيستاني، الذي اختار دائمًا طريق الحكمة ورفض عسكرة الطائفة، بدا كأنه يلتقي من بعيد مع رسالة البابا: كلاهما يرفع صوتًا يطلب حماية الناس لا توظيفهم، وكلاهما يدعو إلى السلام لا إلى صناعة مستمرة لأسباب الحرب.
وهكذا يصبح المشهد أكثر وضوحًا: البابا يصلّي من أجل لبنان، والسيستاني ينصح بحماية شيعته من مغامرات السلاح، فيما المرشد يرسل تعليماته الواضحة: السلاح قبل الخبز والماء. والأميركي يردّ بالدبلوماسية، والإسرائيلي بالتهديدات والاغتيالات والدمار.
زيارة البابا تحمل نور أمل لغدٍ أفضل، لكنها وبرغم انسجامها مع حكمة السيستاني لا تستطيع وحدها تبديد ظلال الخوف والجحيم التي راكمتها السنوات. فلبنان يحتاج إلى قرار داخلي صريح: دولةٌ تثبت أنها دولة فعلًا؛ دولة تتطابق أقوالها مع أفعالها، ويؤمن مسؤولوها بأن الأرض أرضهم، والشعب شعبهم، والقرار قرارهم، ولا يشاركهم فيه أحد. وفي المقابل، “ميليشيا” تعترف بأن أهدافها المعلنة مجرد أوهام عبثية، وأن شعار “نحمي ونبني” لم يجرّ على لبنان إلا الموت والدمار، وأن السلاح الذي كان يُقال إنه يحمي الوطن بات اليوم عبئًا يخنق البشر والحجر. من دون هذا التوازن، ستظل الصلاة مجرّد نسمة أمل عابرة، فيما التعليمات تملك قدرة أكبر على تغيير الوقائع.
في هذا الأسبوع، يقف لبنان عند مفترق بين عالمين: عالم يُبنى فيه النفوذ بالسلاح، وعالم يصنع فيه المستقبل بالكلمة والرجاء. وفي المسافة بين تعليمات المرشد وصلوات البابا، وبين وصايا السيستاني ورسائل واشنطن وتل أبيب، يبقى اللبناني معلّقًا في منتصف الطريق، يبحث عن وطنٍ يعود إليه، لا عن جبهة جديدة تُفتح فوق رأسه.
وبين الصورتين، جاءت التحذيرات الصارخة لوزير خارجية مصر عن سيناريوهات الحصار والقصف والاجتياح كصفّارة إنذار تُدوّي فوق رؤوس اللبنانيين. فلبنان يُدفَع، خطوة بعد خطوة، نحو حافة بلا قرار، فيما تُصاغ قرارات مصيره في غرف مصالح الأمم الغريبة، حيث لا مقعد للبنانيين فيها. وهنا يرتفع السؤال المرّ، السؤال الذي سيحسم مصير وطن بأكمله: هل سيُجبَر لبنان على مواصلة الانحدار في طريق الجحيم تحت وطأة قرارات تُصنع بعيدًا عن وجع أهله، أم تسبقها «لا» لبنانية جامعة تنقذ الوطن والشعب من السقوط في الجحيم؟