"لسنا هواة حمل سلاح"... الخطيب للبابا: نضع قضية لبنان بين ايديكم

17 دقيقة للقراءة

أشار نائب رئيس المجلس الشيعي الاعلى الشيخ علي الخطيب، خلال اللقاء المسكوني في ساحة الشهداء، الى أنه "يسعدنا في هذا اللقاء أن نرحّب بقداسة البابا في لبنان باسم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والطائفة الشيعية مقدّرين الزيارة لبلدنا ومثمنين مواقفكم في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها بلدنا".


ولفت الخطيب، الى أننا "نحن نعتبر أنفسنا اخوة في الإيمان ولا نفرق بين ابناء البشر الا بالتقوى"، مؤكداً أن "العلاقة بين المختلفين محكومة بالحوار"، مضيفاً "​التعايش السلمي​ هو القاعدة الأساسية وان ما يحصل من حروب مفتعلة لا يعبر عن حقيقة الدين".

وتابع: "لسنا هواة حمل سلاح ونضع قضية لبنان بين ايديكم لعل العالم يساعد بلدنا على الخلاص".


وفي ما يلي كلمة الخطيب: 

"يسعدنا في هذا اللقاء أن نرحب بكم في لبنان، باسم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والطائفة الشيعية عامة، مقدرين زيارتكم لبلدنا، مثمنين مواقفكم في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها وطننا. نحييكم بتحية الإسلام الذي يؤمن بالسيد المسيح عليه السلام، رسولا ونبيا ومبشرا وهاديا. وتحية طيبة لجنابكم من لبنان الجريح الذي لطالما اعتبره الكرسي الرسولي في الفاتيكان، رسالة وليس بلدا على هامش التاريخ .ومن هذا المنطلق أملنا كبير جدا، بأن تحمل زيارتكم لبلدنا كل فرص النجاح، وأن تُثمر في تعزيز الوحدة الوطنية المهتزة في هذا البلد المثخن بالجراح، نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر على أهله وأرضه".

تابع:"إن ثقافتنا الروحية مبنيّة على الأخوة الإنسانية، نستوحيها من مبادئ الإسلام الذي لا يفرق بين البشر، حيث يقول رسولنا الكريم محمد بن عبد الله (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى). كما نستمد هذه الثقافة من فكر خليفته الإمام علي بن أبي طالب الذي يرسم طبيعة العلاقة بين البشر بعبارته الإنسانية البالغة المعنى :الناس صنفان.. إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

واضاف:"نحن نعتبر أنفسنا أخوة في الايمان ونظراء في الخلق، لا نفرّق بين أبناء البشر إلا بالتقوى، وأن الاختلاف من طبيعة البشر، وأن العلاقة بين المختلفين محكومة بالحوار والتعارف والتعاون على البِر والتقوى، وأن التعايش السلمي بين اتباع الديانات المختلفة هو القاعدة والأساس، وأن ما يحصل من حروب مفتعلة باسم الأديان لا يعبرعن حقيقة الدين الذي يقوم اولا على اساس حرمة الانسان وكرامته . اننا مؤمنون بضرورة قيام الدولة، لكننا في غيابها اضطررنا للدفاع عن انفسنا في مقاومة الاحتلال الذي غزا ارضنا، ولسنا هواة حمل سلاح وتضحية بأبنائنا".

وختم:"بناء على ما تقدم نضع قضية لبنان بين أيديكم بما تملكون من إمكانات دولية، لعل العالم يساعد بلدنا على الخلاص من أزماته المتراكمة، وفي طليعتها العدوان الإسرائيلي وما خلفه ويخلفه من تبعات على وطننا".

افرام

والقى بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والرئيس الأعلى للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في العالم مار إغناطيوس أفرام الثاني كلمة ترحيبية بقداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر جاء فيها:

"بفرح روحي وأمل كبير أرحب بزيارة قداستكم إلى أرض القداسة لبنان، قلب الله، مستذكراً قول اشعياء النبي: »مَا أَجْمَلَ عَلَى الْجِبَالِ قَدَمَيِ الْمُبَشِّرِ، الْمُخْبِرِ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِ بِالْخَيْرِ» (اشعياء 52: 7).

أرحّب بكم باسم كرسي أنطاكية الذي يشترك مع كرسي روما في خدمة بطرس هامة الرسل وبولس رسول الأمم، وباسم جميع مسيحيي المشرق الذين شهدوا ويشهدون للسيد المسيح منذ بدء المسيحية، رغم الضيقات والاضطهادات التي عانوا منها عبر العصور، فقلّ عددهم بشكل فادح، وأصبح وجودهم في أرض آبائهم وأجدادهم مهدّداً. وفي السنين الأخيرة، أصبحت بلادنا، بمسلميها ومسيحيّيها، ضحية حملات تكفيرية إرهابية وحروب دامية، وكذلك عدوّ إسرائيلي شرس، ممّا سرّع في تهجير الكثيرين. وفي الوقت عينه، عززّت هذه التحدّيات الوجودية العمل المشترك بين مختلف كنائس مشرقنا وأدّت إلى ما سمّاه سلفكم الطيب الذكر البابا فرنسيس: "مسكونية الدم".

اضاف:" صاحب القداسة، تأتي زيارتكم الرسولية هذه في وقت حسّاس من تاريخ هذه المنطقة، حيث نشهد اضطرابات كبيرة وتحولات جذرية، نأمل أن تنتج استقراراً وعدلاً وسلاماً لمنطقتنا لم تعرفه منذ زمن بعيد. فأبناء هذه الأرض توّاقون للسلام المبنيّ على العدالة، الذي يجب أن يؤدّي إلى صون كرامة الإنسان وحريّته، في ظل دولة يسودها حكم القانون وتقوم على المساواة في الحقوق والواجبات".

وتابع: "يعيش المسيحيون والمسلمون على هذه الأرض الطيبة منذ قرون، يتشاركون الآلام والآمال، ويتوقون إلى الاستمرار في العيش معاً، مستفيدين من تجارب آبائهم وأجدادهم. ومع أهمية الحوار الأكاديمي بين ممثلي الأديان، تبقى الخبرة المكتسبة من العيش الواحد العنصر الأهم في تعزيزه. فالمشرق ليس حدوداً تُرسَم على الخرائط، بل هو حياة تُعاش، وذاكرة تُصان، ونسيجُ علاقات إنسانية جمعت عبر القرون بين المسلمين والمسيحيين. وهنا تعلّمنا أن العيش المشترك ليس شعاراً، بل حوار حياة يقوم على اللقاء الصادق والاحترام المتبادل، وعلى مسؤولية يحملها الجميع تجاه الإنسان - كلّ إنسان - لأنه محور رسالتنا وغاية دعوتنا" .

وقال: "وفي هذا البلد الحبيب، لبنان، أدركنا أن الإنسان لا يكتمل إلا بأخيه، وأنّ تلاقي أبناء الأديان قادر أن يبني مجتمعاً متماسكاً يقف في وجه التعصّب والانقسام، ويبعثَ الرجاء في زمن أثقلته الصعاب. وكلما ارتفع صوت الظلم أو تعمّق جرح الانقسام، بقيت الكنيسة في لبنان والمشرق شاهدة للضمير الإنساني، تدعو إلى الحوار الصريح، واحترام الحرية الدينية، وحفظ كرامة كل إنسان خُلق على صورة الله ومثاله".

اضاف: "نعلم أنكم ستحملون في قلبكم معاناة هذا المشرق المتألم، وستعملون جاهدين على رفعها وضمان حياة حرة وكريمة لكل أبنائه، من خلال صلواتكم وعلاقاتكم وعملكم مع ذوي النوايا الحسنة" .

وختم افرام: "فلنرفع معاً صلاتنا إلى الرب الإله، سائلينه أن يبارك هذا اللقاء، وأن يجعل من زيارة قداستكم إشراقة جديدة في مشرقنا المعذّب؛ إشراقة تبدّد الخوف من القلوب، وتوقظ الرجاء في النفوس، وتعيد إلى شعوب منطقتنا الثقة بوعد الرب القائل: »أتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ، وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ» (يوحنا 10:10)" .

ابي المنى

و القى شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ د. سامي أبي المنى قائلا:"باسم الخالق المبدع الذي نعبُدُه وكأننا نراه وهو يرانا، باسم الحقيقة لمختزَنة في كتبِنا المقدّسة ورسالاتِنا السماويةِ الداعية جميعُها إلى حفظِ الإنسان وصونِ كرامتِه. يُسعدُنا أن نرحِّبَ بكم صاحبَ القداسة، مقدرينَ لفتَتكم الكريمة، ومُصلِّين معاً لخلاص لبنانَ والمنطقة، راجينَ أن نُطوِّقَ الألمَ بالأمل، والشقاءَ بالرجاء".

وتابع:"نلتقي في توحيدنا فنرتقي في وحدتِنا، متمسَكينَ بالشراكة الروحية والوطنية التي هي مظلّةُ عيشِنا الواحد المشترَك، ومصدرُ قوّتِنا، فلبنانُ يُمكنُ أن يكونَ النموذجَ الأرقى للتنوّع في الوحدة، اذا ما أحسنًا فهمَه، واستفدنا من غنى مكوّناتِه، وإذا ما احترمنا خصوصياتِ بعضنا بعضاً. إنّه قويٌّ بدورِه، لا بمساحته وعددِ أبنائه، ومميَّزّ بانفتاحه وموقعِه، وما علينا إلّا أن نُحمِنَ أداءَ هذا الدور، وأن نستفيدَ من هذا الموقع ومن هذا الانفتاح.

نحن على يقين بأنّ وطنَنا لا يُبنى إلّا على قاعدةٍ أخلاقيَة ذهبيّةِ ثابتة تقضي بأن تُحافظَ كلُّ عائلةٍ روحية على شريكتِها في الوطن، وبأنّ اجتماعَنا معاً، مسلمين ومسيحيين، قادرٌ على إحداث بارقةٍ أملٍ في هذا الجوّ القاتمِ من حولِنا، لكننا واثقون بأن الراعيَ صالحٌ، والرعيّةَ مؤمنة، وبأنّ الخيرَ سينتصرُ على الشرِّ، والنورَ سيطردُ الظلام".

وختم:"زيارتُكم صاحبَ القداسة تدعونا للارتقاء إلى ما هو أسمى، ولفتحِ أبوابِ المحبة والرحمة؛ المحبةِ لمسيحية والرحمةِ الإسلامية، وإغلاقِ نوافذِ التعصُّبِ والتطرُّف، ليكونَ صوتُ السلامِ أقوى من أصواتِ الحروب، "فالحربُ هزيمةً للجميع، والعنفُ لا يَجلّبُ السلام"، كما جاء في رسالة سلفِكم قداسةِ البابا فرنسيس، ونحن ما كنًا سوى دُعاةِ خيرٍ ووئام، وحُماةِ وطنِ الرسالة، ولنا في اللّٰه عزَّ وجَلَّ خيرُ معين، وفي قداستِكم خيرُ صديقٍ مُبارِكِ ومُحبّ للبنان... عشتُم وعاش لبنان".

بعد ذلك انشدت جوقة بيروت ترنم ترنيمة طوبى للساعين الى السلام.

قصاب

وقال رئيس المجمع الأعلى للطائفة الإنجيلية في سوريا ولبنان القس جوزيف قصاب في كلمته:

"أهلا بكم في لبنان... هذا الوطن الصغير الذي أنهكته الحروب والضغوط، لكنه لا يزال يحمل في جراحه توقاً عميقاً إلى السلام. جنتَ إلى أرض تعلّمت كثيراً من الألم، لكنها لم تفقد رجاءها، لأن الرجاء هنا جزء من هوية لناس، لا مجرَد فضيلة.

نستقبلك اليوم، لا فقط كرأس للكنيسة الكاثوليكية، بل أيضاً كقائد لدولةٍ لا تحكمها الحسابات الاقتصادية ولا أطماع النفوذ، بل تحكمها روحٌ تعود إلى كلمات المسيح: "سلاماً أترك لكم، سلامي أعطيكم". إن حضورك بيننا يذكّر لبنان بأن لا زال هناك دولاً تُبنى على قيم، لا على مصالح، وعلى كرامة الإنسان قبل كل شيء.

وباسم الكنائس البروتستانتية في لبنان، نرحَب بك ونثمن زيارتك الداعمة لشعب يتوق لالتقاط أنفاسه. نحن، كما تعلم، شركاء في الهمّ ذاته، وفي الرسالة ذاتها: أن يبقى لبنان مساحة حرّة للكرامة، وبيتأ يصون التعدد بدل أن يخشاه.

قداستك،

لقد تحدّثت الكنيسة الكاثوليكية في السنوات الأخيرة عن ال -Synodality، السير معاً، والإصغاء لبعضنا البعض، وعن اكتشاف صوت الروح في تنوعنا. هذا المفهوم ليس شأناً كنسياً فحسب؛ إنه دعوةٌ يمكن أن يتبناها كله.

لو سارت قيادات لبنان معاً ... لو أصغينا لبعضنا بصدق، لسهل علينا أن نصغي أيضاً لوجع شعبنا، ولاكتشفنا أن الطريق إلى السلام ليست حلماً صعباً بل ممارسة يومية تبدأ بالثقة.

نأمل أن تكون زيارتك مناسبةً لندعو جميع الطوائف في لبنان إلى Synodality وطنية: أن نسير معاً من أجل لبنان الرسالة، لبنان الذي لا يملك ترف الانقسام، بل يملك فرصة نادرة ليكون شاهداً على أن التعددية نعمة.

حللت اهلا في بلد يريد ان يتعلم مجددا كيف يصنع السلام لا فقط كيف ينجو من الحرب. نصلي معك، ومن اجلك، ومن اجل لبنان الذي تحمله اليوم في صلاتك. مرحباً بكم بيننا".

قدور

وقال رئيس المجلس الاسلامي العلوي الشيخ علي قدور خلال اللقاء المسكوني في ساحة الشهداء:

"يشرّفنا في المجلس الإسلامي العلوي أن نعبّر، ببالغ السرور والمحبّة، عن تقديرنا العميق لقداسة لحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر، وأن نرفع إلى قداسته أسمى آيات الترحيب والتقدير بمناسبة زيارته المباركة إلى لبنان، هذا البلد الذي شاءت حكمة اللّٰه أن يكون ملتقى الأديان، وواحة للحوار، وجسرًا بين الشرق والغرب، وحاضنًا لتنوّع ثقافي وروحي يشكّل ثروةً إنسانية نفخر بها جميعًا، وفضاءً رحبًا للتلاقي بين أبناء الديانات والثقافات ، وهو بفضل هذه الخصائص استحقّ أن يكون ( لبنان الرسالة) كما وصفه البابا يوحنا بولس الثاني ، الذي قال عن لبنان أنه : أكثر من وطن، إنه رسالة حرّية وعيش مشترك".

وتابع:"إن حضور قداستكم بيننا اليوم ليس حدثًا بروتوكوليًا أو زيارة ظرفية، بل نعتبرها (رسالة رجاء) إلى اللبنانيين جميعًا، ورسالة تأكيد أنّ لبنان، رغم ما يمرّ به من محن، ما زال قادرًا على النهوض برسالته، وعلى استعادة دوره في إشعاع القيم الروحية والإنسانية التي تجمع ولا تفرّق، وتبني ولا تهدم. وإنّ المجلس الإسلامي العلوي، وهو جزء أصيل من النسيج الوطني اللبناني، يرى في هذه الزيارة دعمًا لكل صوت يدعو إلى الإخاء، وإلى صون كرامة الإنسان، وإلى تجاوز الجراح والانقسامات لتي اثقلت وطننا وشعبنا. نحن نؤمن معا ، أن الإنسان هو القيمة العليا، وأن الأوطان تُبنى بالتلاقي لا بالتصادم، وبالشراكة لا بالإقصاء، وبالاحترام المتبادل لا بالنزاع".

واضاف:"إذ نرحّب بقداستكم بين أبنائكم في لبنان، نعلن وقوفنا إلى جانب كل مبادرة تُعزّز الاستقرار، وتُحيي الأمل في القلوب، وتشجّع اللبنانيين على الحوار والتفاهم، وعلى تغليب المصلحة الوطنية العليا على أي اعتبار آخر. ان صوتكم، و صوت الحق والخير، وإن صدى حضوركم يتجاوز حدود المكان ليبلغ كل إنسان تطلع إلى غدٍ افضل، وإلى وطن مستقرّ، وإلى شرق ينعم بالسلام".

وختم:"نتقدم من قداستكم بالشكر العميق على تخصيص لبنان بهذه الزيارة التاريخية سائلين الله ان تكون فاتحة خير وبركة ومحطة مضيئة تعيد الى لبنان دوره الذي استودعه الله اياه:دور الرسالة، ودور المحبة ودور الانسان، عشتم وعاش لبنان".

وانشدت الجوقات مجتمعة ترنيمة اعطنا ربي قبل كل عطاء.

البابا لاوون

والقى البابا لاوون الرّابع عشر كلمة قال فيها:

"أيُّها الإخوةُ والأخواتُ الأعزّاء، بتأثّرٍ عميقٍ وامتنانٍ كبير، أقِفُ معكَم اليومَ هنا، في هذِه الأرضِ المبارَكَة، الأرضِ التي مجَّدَها أنبياءُ العهدِ القديم، الذين رأَوا في أرزها الشَّامِخِ رمزًا للنَّفسِ البارَةِ التي تُزهِرُ تحتَ نظرَةِ السّماءِ السَاهِرَة، والأرضِ التي لم يَنطَفِئ فيها صدَى الكلمةِ "Logos" قطّ، بل استمرَّ، جيلًا بعد جيل، ينادي كلَّ الرّاغبينَ لكي يَفتَحوا قلوبَهم للهِ الحَيّ.

في الإرشادِ الرّسولي بعدَ السّينودس، "الكنيسةُ في الشّرقِ الأوسط"، الذي وقَعَه البابا بندكتس السّادس عشر هنا في بيروتَ سنة 2012، شدَّدَ قداسَتُه على أنَّ "طبيعةَ الكنيسةِ ودعوتَها الجامِعَة تَقتَضِيانِ منها أن تفتحَ الحوارَ مع أعضاءٍ سائرِ الدّيانات. يَرتكِزُ هذا الحوارُ في الشَّرقِ الأوسطِ على الرّوابِطِ الرّوحيَةِ والتّاريخيّةِ التي تَجمَعُ المسيحيِّينَ مع اليهودِ والمسلمين. هذا الحوارُ لا تُملِيه أوّلًا اعتباراتٌ براغماتيّةٌ سياسيَةٌ أو اجتماعيّة، بل يستندُ، قبلَ كلِّ شيء، إلى أُسّسٍ لاهوتيَةٍ مرتبطةٍ بالإيمان" (رقم 19)".

اضاف: "الأصدقاء الأعزّاء، إنَّ حضورَكم هنا اليوم، في هذا المكانِ الفريد، حيث تَقِفُ المآذنُ وأجراسُ الكنائس جنبًا إلى جنب، مرتفعةً نحو السّماء، يَشهَدُ على إيمانِ هذِه الأرضِ الرّاسخِ وعلى إخلاص شعبِها المَتينِ للإلهِ الواحِد. هنا، في هذِه الأرضِ الحبيبة، لِيَتَّحِدْ كلُّ جَرَسٍ يُقرَع، وكلُّ آذان، وكلُّ دعوةٍ إلى الصّلاةِ في نشيدٍ واحدٍ وسامٍ، ليس فقط لتمجيدِ الخالِقِ الرّحيم، خالِقِ السّماءِ والأرض، بل أيضًا لِرَفعِ ابتهالٍ حارّ من أجلِ عطيَةِ السّلامِ الإلهيّة.

منذ سنواتٍ عديدة، ولا سيِّما في هذه الأيّام، توجَّهت أنظارُ العالَمِ إلى الشّرقِ الأوسط، مَهد الدّياناتِ الإبراهيميّة، تَنظُرُ إلى المسيرةِ الشَّاقَةِ والسّعِي الدَائِمِ لعطيّةِ السَّلام. أحيانًا تَنظُرُ الإنسانيّةُ إلى الشَّرقِ الأوسطِ بقلقٍ وإحباطِ أمامَ صراعاتٍ مُعَقَّدَةٍ ومُتَجَذِرَةٍ عبرَ الزّمن. مع ذلك، وسطَ هذه التّحدَيات، يمكِنُنا أن نَجِدَ معنّى للرّجاءِ والعزاءِ عندما نُرَكِّزُ على ما يَجمَعُنا: أي على إنسانيَتِنا المشتركة، وإيمانِنا بإلَهِ المحبّةِ والرّحمة. في زمنٍ يبدو فيه العيشُ معًا حُلُمًا بعيدِ المنال، يبقَى شعبُ لبنان، بدياناتِه المُختَلِفَة، مذَكِّرًا بقوّةٍ بأنّ الخوف، وانعدامَ الثَّقةِ والأحكامَ المُسبَقَةِ ليست لها الكلمةُ الأخيرة، وأنّ الوَحدة والشّركة، والمصالحةَ والسَلامَ أمرٌ مُمكِن. إنّها رسالةً لم تتغيَّرْ عبرَ تاريخ هذه الأرضِ الحبيبة:

الشَّهادةُ للحقيقةِ الدَائمةِ بأنّ المسيحيِّينَ والمسلمينَ والدَروزَ وغيرَهم كثيرين، يُمكِنُهُم أن يَعيشُوا معًا ويَبنُوا معًا وطنًا يَتَّحِدُ بالاحترام والحوار.

قبلَ ستَينَ سنة، فتحَ المجمعُ الفاتيكانيّ الثَّاني، بإعلانِه وثيقةِ "في عصرنا-Nostra aetate"، أُفْقًا جديدًا للّقاءِ والاحترامِ المتبادلِ بين الكاثوليكِ وأبناءِ الدّياناتِ المختلفة، وأَكِّدَ أنَّ الحوارَ الحقيقيّ والتّعاوُنَ الصَّادِقَ مُتَجَذِّرانِ في المحبّة، الأساسِ الوحيدِ للسّلامِ والعدلِ والمصالحة. هذا الحوار، الذي يَستَمِدُّ إلهامَهُ من المحبّةِ الإلهيّة، يجبُ أن يُعانِقَ كلَّ أصحاب النّوايا الحسنة، ويَرفُضَ التّحيّزَ والتَّفرِقَةَ والاضطهاد، ويُؤكِّدَ على مساواةِ كرامةِ كلِّ إنسان.

تمَّت خدمةُ يسوعَ العلنيّةِ بشكلٍ رئيسيّ في الجليلِ واليهوديّة، إلّا أنّ الأناجيلَ تَروِي أيضًا أحداثَ زيارتِهِ لمنطقةِ المدنِ العشر، وأيضًا لنواحي صُورَ وصيدا، حيث التّقَى المرأةَ السّريانيّةَ الفينيقيّةَ التي دَفَعَه إيمانُها الرّاسِخُ لِيَشفِيَ ابنتَها (راجع مرقس 24-30 ،7). هنا، صارَت الأرضُ نفسُها أكثرَ من مجرّدِ مكانٍ لقاءِ بين يسوعَ وأمِّ تَبتَّهِلُ إليه، بل صارَت مكانًا يتخطَّى فيه التّواضعُ والثّقةُ والمثابرةُ كلَّ الحواجز، وتَلتَقِي بمحبّةِ الله اللامتناهيةِ التي تُعانِقُ كلَّ قلبِ بشر. في الواقع، هذا هو "جوهرُ الحوارِ بينَ الأديان: اكتشافُ حضورِ اللهِ الذي يتجاوزُ كلَّ الحدود، والدّعوةُ إلى أن نبحثَ عنه معًا باحترام وتواضعا".

وتابع: "وإن كانَ لبنانُ مشهورًا بأرزِه الشَّامِخ، فإنَّ شجرةَ الزّيتونِ أيضًا تُشَكِّلُ حجرًا أساسيًّا في تراثِه. وشجرةُ الزّيتون، لا تُزَيِّنُ فقط المكانَ الذي نحن مُجتَمِعُونَ فيه اليوم، بل هي مُكَرَّمَةٌ في النّصوص المقدّسةِ في المسيحيّةِ واليهوديّةِ والإسلام، وتُشَكِّلُ رمزًا خالدًا للمصالحةِ والسّلام. عُمرُها الطّويلُ وقُدرَتُها الفريدةُ على الازدِهار، حتّى في أشدِّ البيئاتِ قَساوةً، يرمزانِ إلى البقاءِ والرّجاء، ويَعكِسانِ التزامَها وصُمودَها لتنميةِ العيشِ معًا. من هذه الشَّجرةِ يَتَدَفَقُ زيتٌ يَشفِي، وهو بَلسَمٌ لجِراحِ الجسدِ والرّوح، يُظهِرُ رحمةَ اللهِ اللامحدودةِ لكلِّ المتألِمين، وزيتٌ يوفِّرُ النّورَ أيضًا، ويُذَكِّرُنا بالدّعوةِ إلى أن نُنيرَ قلبَنا بالإيمان والمحبّةٍ والتّواضع.

كما تمتدُ جذورُ الأرز والزّيتونِ عميقًا وتَنتَشِرُ في الأرض، كذلك أيضًا يَنتَشِرُ الشَّعبُ اللبنانيّ في العالَم، لكنَّه يَبقَى مُتَّحِدًا بقوَّةِ وطنِهِ الدّائمةِ وتراثِه العريق. حضورُكم هنا وفي العالَمِ كلِّه يُغنِي الكَوكَبَ بإرثِكُم الذي يَرجِعُ إلى آلافِ السّنين، وهو أيضًا دَعوَة. ففي عالَمٍ يزدادُ ترابُطًا، أنتم مدعُوُونَ إلى أن تكونوا بُناةً سلام: وأن تُواجِهُوا عدمَ التَّسامُحِ، وتَتَغَاَّبُوا على العُنف، وتَرفُضُوا الإقصاء، وتُنِيرُوا الطَريقَ نحوَ العدلِ والوئامِ لِلجَمِيع، بشهادَةِ إيمانِكُم".

وختم البابا لاوون: "أيُّها الإخوةُ والأخواتُ الأعزَاء، إنّ الخامِسَ والعشرينَ مِن آذارِ/مارس مِن كلّ سنة، هو عيدٌ وطنيِّ تَحتَفِلونَ بِه في بلدكم، وتُكَرِّمُون معًا مريم، سيِّدةَ لبنان، المُكَرَّمَةَ في مزارِها في حريصا، الذي يُزَيِّنُهُ تمثالٌ مهيبٌ للعذراءِ وذِراعَاها مَفتُوحَتانٍ لَكَي تُعانِقَ كلَّ الشَّعبِ اللبنانيّ.

لِيَكُنْ هذا العِناقُ الوالِدِيّ والمُحِبُّ مِن مريمَ العذراء، أمِّ يسوعَ وملكةِ السّلام، هِدايةً لكلِ واحدٍ منكم، حتّى تَفيضَ في وطنِكم، وفي كلِّ الشَّرقِ الأوسط، وفي العالَمِ أجمع، عطيّةُ المصالَحَةِ والعيشِ السّلميّ "مثلَ الأنهارِ التي تَجري مِن لبنان" (راجع نشيد الأناشيد 15 ،4)، وتَحمِلَ الرّجاءَ والوَحدةَ والشّركةَ للجميع".

و قي الختام غرس البابا مع البطريرك اليازجي وشيخ عقل الدروز ابي المنى غرسة زيتون قدمها له طفلان ،على وقع ترانيم في مساء الورد يا مريم ونشيد المخلوقات، ثم صورة تذكارية بالمناسبة، وصافح البابا في نهاية اللقاء عددا من الحاضرين، وغادر على وقع الصفيق.

============

تابعوا أخبار الوكالة الوطنية للاعلام عبر أثير إذاعة لبنان على الموجات 98.5 و98.1 و96.2 FM

اكس - تويتر

وزير الإعلام: سلامكم يعيد إلى وطننا شيئًا من طمأنينة يحتاجها بشدّة

الحوت: قدمت اقتراح قانون لتمكين الأم اللبنانية من منح جنسيتها لأولادها

غراهام: رسالة السلام التي يحملها البابا للبنان تبعث الأمل في نفوس شعب...

سلامه: إنها فرصة لبنان الاخيرة

يعقوبيان: زيارة البابا تذكير بأن السلام فعل ومسؤولية

المفكرة

المفكرة ليوم الأربعاء 3 كانون الأول 2025

المفكرة ليوم الثلثاء 2 كانون الأول 2025

المفكرة ليوم الاثنين 1 كانون الاول 2025

تحقيقات وملفات ساخنة

الثلاثاء 25 تشرين الثاني 2025 الساعة 04:06

رائد خوري يحسم الموقف: الفجوة المالية واحدة... والخلافات سياسية لا تقنية