ألين الحاج

زيارة البابا لاوون الرابع عشر في الفضاء الرقمي

7 دقائق للقراءة

منذ اللحظة التي لامست فيها قدما البابا لاوون الرابع عشر تراب لبنان، بدا وكأن السلام حلّ فعليًا على هذا البلد المتعب، وشعر اللبنانيون بأن وطنهم يقف عند منعطف استثنائي، وأن نافذة ضوء فُتحت أخيرًا في جدارٍ العتمة. ثلاثة أيام من زيارة حبرية، هي الأولى خارج الفاتيكان بعد تركيا، كانت كافية لإيقاظ رجاء كاد يخبو في وطن ممزق بالحروب والانقسامات وفقدان الأمل.

هذا الزخم الجديد، انعكس على الفضاء الافتراضي الذي تحوّل إلى مرآة حيّة تنقل نبض الناس ومشاعرهم. فعلى مدى اليومَين الأوّل والثاني بمحطّاتهما المكثفة، وصولًا إلى اليوم الثالث واختتامه بالقداس الإلهي، امتلأت المنصّات بصُور وتسجيلات وتعليقات حملت الفرح والرجاء نفسه، وكأن البلد بأكمله يعيش لحظة تجمعه من جديد.


رسالة سلام وأكثر

من شعار الزيارة "طوبى لفاعلي السلام" إلى كل كلمة وجّهها للبنانيين في محطّاتها المختلفة، ظلّ السلام خيطًا ناظمًا لكل ما قاله الحبر الأعظم. لم يكن مجرّد تكرار لفظي، بل إصرار واعٍ على زرع فكرة مركزية في الوجدان اللبناني. ولهذا تكرّرت كلمة "السلام" في خطاباته ما يقارب الألف مرّة، قبل أن يختم القداس الإلهي بعبارة حملت خلاصتها وروحها: "أقول للبنان: انهض وكن علامة للسلام في المشرق!".

في اليوم الأول للزيارة، استهلّ البابا لاوون كلمته بتكرار "السلام" أكثر من خمسين مرة، وكأنه يضع حجر الأساس لمسار جديد يأمل أن يسلكه اللبنانيون. وحتى حين دوّن رسالته في الكتاب الذهبي للقصر الجمهوري، كتب كلمة "PEACE" بأحرف كبيرة، في خروجٍ مقصود عن نمط الكتابة، وكأنه أراد لهذه الكلمة أن تُقرأ بوضوح مضاعف وتبقى محفورة في الذاكرة. كذلك، أكّد البابا الدَّور الوطني للمسيحيين إلى جانب دورهم الديني، معتبرًا أن مشاركتهم في بناء لبنان العادل والمستقر، جزء أساسي من تحقيق هذا السلام المنشود.


البابا المتأثر والصاغي

انتشرت صور وفيديوات أظهرت عمق تأثر البابا بالترحيب الصادق والمحبّة العميقة التي أغرقه فيها اللبنانيون على امتداد زياراته ومحطاتها المختلفة.

كما التُقطت للبابا خلال فعاليّاتها الرسمية، مقاطع وصور تظهره صاغيًا إلى معاناة الشعب اللبناني ويشاركهم همومهم. أنصت إلى الشباب الذين يحتاجون إلى جرعة أمل، سمع راهبات دير الصليب ومرضاه، أصغى إلى أهالي ضحايا انفجار المرفأ ولمس وجعهم في محطة تركت أثرًا كبيرًا على اللبنانيين. فكتب الأب داني درغام: "قداسة البابا، شمعتك ودمعتك كانتا أُولى التعازي لنا بعد خمس سنوات على جريمة الانفجار". 


البابا عبر المحطّات

صورة البابا وهو يجثو بخشوع أمام ضريح القديس شربل في عنايا اجتاحت الفضاء الرقمي، وكشفت تعليقات المؤمنين أنهم رأوا فيها "رمزًا حيًا للارتباط الروحي بين خليفة بطرس والناسك المتواضع"، بين "القداسة والقديس"، فيما كتب أحد الناشطين: "عملاقان روحانيّان، تفصل بينهما عقود، يتوحّدان في الشفاعة من أجل لبنان".

أما مشهد الأب الأقدس وهو يتجوّل بين 13 شابًا وشابة من دون الزجاج العازل خلال لقائه بهم في بكركي، فعبّر عن حبّ عميق للشباب اللبناني، على حدّ تعليقات الكثيرين. فيما طغت على هذا اللقاء أجواء الفرح والرجاء. وقد لامست رسائل الحبر الأعظم قلوب الشباب، لا سيّما قوله: "لبنان سيزدهر مجددًا وأنتم الحاضر وصانعو المستقبل"، مؤكّدًا بذلك دورهم الحيوي في بناء وطن مزدهر ومستدام. وكتب شاب مغترب من بين الحاضرين: "صلّيت اليوم في بكركي كي أكون من بين الشباب العائدين إلى لبنان في المستقبل القريب". كذلك، جرى التداول على مواقع التواصل بكثافة، بأول عبارة نطق بها البابا بالعربية في بازيليك حريصا: "سلام المسيح".


مقاطع لافتة

حظيت فيديوات وصُور الحشود الممتدّة على طول مسار الموكب البابويّ من محطة إلى أخرى، في أحزمة بشرية صامدة أمام زخات المطر، بتفاعل رقمي واسع. وفي اللقاء المسكوني، لاقت تلاوة أحد المشايخ القرآن الكريم بحضور البابا، ترحيبًا كبيرًا، وعلّق بعض المغرّدين: "طوبى لفاعلي السلام".

كذلك جرى التداول بمقطع مصوّر لفتاة جنوبيّة شيعية، تخبر البابا خلال لقاء الشباب، أن عائلة مسيحيّة اختضنت أسرتها بعد تهجيرهم. بالإضافة إلى صورة لحجر من كنيسة عيترون المهدّمة بفعل الحرب حملها مختار البلدة ليباركها البابا.

كما خطفت فرقة "هياكل بعلبك" الأنظار في اليوم الأول، خلال استقبالها البابا أمام قصر بعبدا بالدبكة الفولكلورية تحت زخات المطر، فيما بدا حماس البابا لاوون وتفاعله الواضح مع الراقصين، فعلّق أحدهم مازحًا: "لو ما المطر.. كان نزل دبّك معن!".

ولم تخلُ المَشاهد اليومية من لمسات شخصيّة أيضًا، مثل تعليق شاب لبناني بالإنكليزية عند نشره مقطعًا يظهر مرور البابا أمام منزله: "Pope Leo just passed by my house".


وفي السياسة جدل

سجال سياسي واسع اندلع عندما تبيّن أن رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، لم يُدعَ للمشاركة في مراسم استقبال البابا في القصر الجمهوري، بحسب ما أوضحت زوجته، النائب ستريدا جعجع.

ولم تشفع تبريرات القصر الجمهوري بأن الأمر مرتبط بالبروتوكول، وبأن توزيع الدعوات شمل الرؤساء الحاليين والسابقين، الوزراء، النواب، السفراء، إضافة إلى كبار مسؤولي الأجهزة القضائية والإدارية والأمنية، والمؤسّسات الإعلامية والمنظمات الدولية. إذ انطلقت تعليقات لاذعة ضد ما حصل، ليس فقط من ناشطين وقواتيين، بل أيضًا من إعلاميين وناشطين مستقلين وغير منتمين لـ "القوات"، لا سيّما بعد ملاحظة حضور شخصيات من خارج هذه التصنيفات، على سبيل المثال لا الحصر: أفراد من عائلة رئيس مجلس النواب نبيه برّي. وقد وصف نائب رئيس تحرير "نداء الوطن" رامي نعيم الأمر بـ "الخطيئة". فيما وصفها آخرون بـ "الكيدية"، وأيضًا بـ "الأمر المعيب". بينما انتشرت صورة لجعجع وعقيلته في قصر بعبدا عند استقبال البابا بنديكتوس سنة 2012، كَرَدّ على "حجّة" البروتوكول. من جهة أخرى، أثار رفع مناصري "حزب الله" صُوَر الأمين العام السابق لـ "الحزب" حسن نصرالله وأعلام "الحزب" مع هتافات "لبّيك يا نصرالله"، عند مرور موكب الحبر الأعظم في الضاحية الجنوبيّة، من المطار إلى قصر بعبدا، استياء عدد كبير من معارضي "الحزب"، الذين اعتبروا هذا المشهد استفزازيًا وخارجًا عن الإجماع الوطني، حيث أن بروتوكول الزيارة نصّ على رفع العلم اللبناني وعلم الفاتيكان حصريًا خلال المناسبة. 

وفي المقلب الآخر، ومع انتشار صُور علم الفاتيكان الأبيض والأصفر خلال الزيارة، كتب أحدهم: "أخيرًا علم أصفر يجلب الأمل، لا الحرب والموت!"، في إشارة إلى علم "حزب الله" ذي اللون الأصفر.


أصداء عالمية

انعكست أصداء زيارة البابا لاوون الرابع عشر لبنان في الصحافة العالمية والعربية، حيث نقلت وسائل إعلام دولية مشاهد الترحيب الشعبي الواسع وحجم التفاعل غير المسبوق مع الحبر الأعظم خلال كافة المحطات. وفي موازاة ذلك، ركّزت تقارير شبكات كبرى مثل "CNN" على وصول البابا إلى بيروت بصفته "رسول سلام" في بلد أنهكته الأزمات، مشيرة إلى ترقب المجتمع المسيحي الأساسي في لبنان ما سيحمله من رسائل روحية وأمل وخلاص في لحظة وطنيّة حساسة.

ولفت أن مستخدمي منصات التواصل من دول مختلفة، من أميركا اللاتينية إلى الولايات المتحدة وفرنسا، أرسلوا تحياتهم ومحبتهم إلى اللبنانيين، بعدما لمسوا عمق الترحيب والشغف الذي احتضن زيارة البابا، مؤكدين أن هذه اللحظة تجاوزت حدود لبنان لتصبح مناسبة عالمية لتسليط الضوء على رسالة السلام والوحدة.

ختامًا، كانت زيارة البابا لاوون الرابع عشر ناجحة بكل المقاييس، فالعالم شاهد للمرة الأولى الوجه الحقيقي لهوية لبنان، ولأنها كما كتب أحد الناشطين: "تعبّر ببساطة عمّن نكون: أبناء السلام، المتجذرون في هذه الأرض… أرض قاتلنا لنثبت فيها ونحميها".